الصيادون عادوا إلى بحر خانيونس وفوجئوا بمراكبهم دفنتها الرمال وشباك أتلفتها الرطوبة

نشر بتاريخ: 14/09/2005 ( آخر تحديث: 14/09/2005 الساعة: 19:00 )
غزة -معاً- ثلاثة أيام مضت منذ أن انسحب آخر جندي إسرائيلي عن قطاع غزة وتجمهر في محيطه، عشاق البحر والصيادين الذين حرموا من بحرهم في رفح وخانيونس على مدار أعوام خمسة لم تقاس بعدد ساعاتها الإثني والسبعين بل مرت كخطف البرق وحد السيف أعادتهم إلى لحظات اكتشافهم الأولى لدفء مياه البحر وجمال شواطئه...

أحد الصيادين الذي التقته معاً- بدا كأنه سيذهب من فوره لعناق البحر وكأنه من أعز أحبابه، أما تيه نظراته إليه فهو أكثر ما استرعى اهتمام المحيطين به, وعندما اقتربنا منه كانت نظراته مليئة حزناً وشوقاً وتعطشاً وتنصب على احد مركباته التي اضطر لهجرها قرابة خمسة أعوام لعله كان يحسب كم يوماً وساعة ودقيقة كان الفراق وكم قطعة من النقود ابتلعها البحر دون أن تتلقفها يديه المتعطشة لها، وهل ما زالت الأسماك كما هي أم أنها تغيرت وهجرت الشاطيء المهجور.

المفاجأة ان كل شيء كان كما هو منذ خمس سنوات، البحر هائج وضخم وكبير، والشاطئ من أجمل شواطيء قطاع غزة الممتدة على طول 360 كيلومتراً من أقصى الشمال حيث الحزام الأمني الإسرائيلي إلى أقصى الجنوب حتى الحزام الأمني المصري في منطقة العريش المصرية، أما لاكثر غرابة فهي المراكب والحسكات واللانشات الصغيرة والكبيرة وحتى الشباك اليدوية ومواتير الكهرباء المستخدمة في الصيد اما كيف كان حالها فقد وجد بعضها مدفوناً بالرمال وبعضها الآخر قد تصدأ وأخرى أتلفت بفعل الرطوبة وثانية تشققت جدرانها الخشبية وثالثة سقط دهانها ورابعة تصدأت فيها مادة "الفيبر جلاس" وخامسة طمست كافة ملامحها وهكذا المشهد العام أنها موجودة بينما بالتفاصيل الدقيقة لها فهي مدفونة أو الوصف الذي يصح إطلاقه على حالها كانت مدمرة.

وبالعودة إلى بطل البحر فقد كان الصياد عبد الكريم قنن " 35" عاماً من مخيم خانيونس مسمراً أمام لانشه الخاص وهو واحد من 700 صياد من المحافظة لوحدها حرموا من الاقتراب من البحر على مدار الأعوام الماضية فيما شكلت المستوطنات القريبة من البحر والمغلقة له ستاراً وحاجزاً حديدياً جباراً أمام أي عين تسترق النظر للمساحة الزرقاء الممتدة على طول 9 كيلومترات وهي الطول الحقيقي لشاطئي محافظتي خانيونس ورفح..

قنن ابن البحر وعاشقه الذي عرفه منذ بلغ 15 عاماً ورث حب البحر عن أجداده أو كما يقول "لم يأت معه الصيد صدفة أو هواية بل تفنن به وهو كالسمكة إن خرج من البحر فارقته الروح"، ولذلك حاول طيلة الأعوام الماضية الالتصاق به وإن أحس نفسه غريباً في بحر غزة ولكنه قليلاً كان يوفر له بعض العزاء لفقدان بحره الأم، أما عن حقيقة شعوره عندما وطأت قدماه بحر خانيونس بعد خمس سنوات قال:" لم يهمني أبداً أنهم أخلوا المستوطنات فلم أذهب لأراها وأتمتع بجمال التراب والخضرة فيها بل جئت مسرعاُ إلى البحر وإلى مراكبي كي أكحل عيني بها وأسترد حياتي التي فقدتها لخمسة أعوام".

أما عن خسائره المادية فقال أن اللانش الخاص به بناه قبل أعوام بمعدل 70 ألف دولار كان يدر عليه في بعض الأيام التي تشهد غزارة في الأسماك ما يقارب 50 مليون شيكل وفي أيام أخرى قاحلة لم يكن يدر شيئاً ولكنه برأيه كان أفضل مائة مرة من الأيام التي زامنت الإغلاق الشامل للبحر امام حركة الصيد وأمام استجمام المواطنين، وهو كما أوضح لنا قبوله لأي مبلغ تقدمه له السلطة ليعيد بناء وإعمار معدات الصيد لديه ولكي يبدأ من جديد العودة إلى البحر وتنشق نسيمه و الاستفادة من خيراته كي يواصل بحر خانيونس الصورة المشرقة التي كان عليها قبل إغلاق قوات الاحتلال للبحر أمام زواره اليوميين.

أما الأهالي الذين منعوا من محافظتي خانيونس ورفح من الاقتراب من البحر على مدار الأعوام السابقة فلم يصدقوا أن مياه البحر كما هي زرقاء وهائجة ومرحبة.