صفقة القرن: هل يضيع الفلسطينيون الفرص؟

نشر بتاريخ: 20/02/2020 ( آخر تحديث: 20/02/2020 الساعة: 15:27 )
صفقة القرن: هل يضيع الفلسطينيون الفرص؟
الكاتب: د. وليد سالم
مع طرح أي مبادرة سياسية جديدة تجاه القضية الفلسطينية، تعلو الأصوات المطالبة للشعب الفلسطيني وقيادته أن لا يضيعوا الفرصة، وأن يقوموا بنقاش المبادرة والتفاوض حولها للحصول على أكبر قدر مما يمكن الحصول عليه.

تحتاج هذا أطروحة إلى تفكيك، سيما وأنها تظهر وكأنها دعوة عقلانية من جهة، كما أنها تستند إلى ما تسميه بالنتائج الكارثية للرفض الفلسطيني ، وذلك على غرار القول: رفضتم قرار التقسيم عام ١٩٤٧ والذي كان يعطيكم أقل من نصف فلسطين التاريخية، فكانت النتيجة أن إسرائيل قامت على ٧٨ بالمئة من أرض فلسطين( أي اكثر من ثلاثة أرباعها) بعد أن هزمتكم عام ١٩٤٨. ورفضتم عرض ايهود باراك عام ٢٠٠٠ للانسحاب من ٨٠ بالمئة من ارض الضفة والقطاع ، ثم عرض ايهود أولمرت عام ٢٠٠٨ بالانسحاب من ٩٤ بالمئة من أراضي الضفة والذي أتى بعد ثلاثة أعوام من انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وتفكيكها للمستعمرات هناك. فماذا كانت النتيجة؟. لقد جاءت ( كما يقول هؤلاء) بأن حصلتم على عرض ترامب عام ٢٠٢٠ بأن تأخذوا ما لا يزيد عن ٧٠ بالمئة من أراضي الضفة، مضافًا اليها ٥'١٣ بالمئة سيتم نقلها إلى دولة فلسطين من المناطق الاسرائيلية المحيطة بقطاع غزة ، ومن منطقة المثلث المقترح في خطة ترامب تحويلها إلى فلسطين بعد أن تقبل فلسطين بالشروط الأمريكية الاسرائيلية الواردة في الخطة. ويكمل القائلون بهذه الحجج محذرين : إذا لم تقبلوا خطة ترامب أيها الفلسطينيون ، فستكون الخطة القادمة أسوء لكم، وستقدم لكم الأقل، ويضيفون أن خطة صفقة القرن قد تكون العرض الأخير الذي لن تكون هنالك فرص أخرى بعده، بل ستستبدله إسرائيل وأمريكا بالتوجه لضم الضفة كاملة إلى إسرائيل بدون " منح" الفلسطينيين أي شيء. وينتهي طارحو هذه الحجج بدعوة الفلسطينيين للقدوم إلى الطاولة للتفاوض، بادئين بطرح مشروع مضاد لصفقة القرن كما طالبهم بذلك جورج بومبيو وزير الخارجية الأمريكي قبل عدة أيام.

في ظل الضعف والانقسام الفلسطيني، والتفكك العربي، وتراجع حالة الكفاح الوطني والشعبي، تبدو هذه الطروحات مقنعة لعدد من العرب الذين نصحوا الفلسطينيين بالتفاوض حول الصفقة قبل أن يفرض عليهم ما هو أسوء منها. ويقول لسان حال بعض البريئين من هؤلاء: إذهبوا واطرحوا مواقفكم وقاتلوا من أجلها ، وذلك بغض النظر عما يعرضه الأمريكان والاسرائيليون. إلى هنا تنتهي حجج هذا التيار.

يتجاهل هذا النمط من التفكير حقائق أساسية، لعل منها أن الفلسطينيين قد اقتنصوا أخطر وأدق ما ظهر وكأنه فرصة عرضت عليهم بعد حرب الخليج الاولى، وقبلوا ضمن ذلك بتنازلات قاتلة، حيث وافقوا على التمثيل ضمن وفد اردني فلسطيني مشترك لمفاوضات مدريد عام ١٩٩١، ثم قبلوا عدم تجميد بناء المستوطنات الاستعمارية خلال فترة المفاوضات وتأجيل قضايا القدس واللاجئين والحدود والأمن والمياه إلى مرحلة التفاوض حول ما سمي بالحل النهائي التي كان يفترض أن تبدء في السنة الثالثة بعد التوقيع على اتفاق إعلان المبادىء( الشهير بإسم اتفاق أوسلو) عام ١٩٩٣.

كل العالم يعرف ماذا جرى بعد ذلك حيث فشل التوصل إلى الحل النهائي حتى عام ١٩٩٩ كما كان متفقا عليه، ومنذ ذلك الحين تواصل الاستيطان الاستعماري، وارتفع عدد المستوطنين المستعمرين في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ من ٩٠ ألفًا عام ١٩٩١، إلى ما يزيد عن ٦٥٣ ألفًا حتى نهاية عام ٢٠١٧ ( الإحصاء المركزي الفلسطيني).

ماذا يعني ذلك؟. أنه يعني أن الشعب الفلسطيني لا زال يجابه مشروعا استيطانيا استعماريا بدأ على أيدي رجال الاعمال اليهود والمستعمرين الألمان والأمريكان منذ بداية القرن التاسع عشر، واستمر بعد ذلك على يدي الحركة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم. قوام هذا المشروع يرتكز إلى اقتلاع شعب من أرضه بالتدريج والسيطرة على أرضه، وإحلال المستوطنين المستعمرين مكانهم. في إطار هذا الفهم يمكن استنتاج أن أي تسويات يسعى لها المشروع الاستيطاني الاستعماري مع الشعب الاصلاني لا تعدو كونها " وقتًا مستقطعًا" يسعى المشروع الاستيطاني الاستعماري للتمتع به من أجل استثماره لتوسيع ذاته واستكمال السيطرة على كامل ارض الشعب الأصلي ، محولة في حالتنا إلى " ارض إسرائيل" التي هي حق حصري " لشعب إسرائيل" كما جاء في قانون القومية الاسرائيلي لعام ٢٠١٨.

من هذا المنطلق يصبح الحديث عن الفرصة للشعب الأصلي للانخراط في تسوية ما ، لن تكون الا مؤقتة وفق منطوق المشروع الاستيطاني الاستعماري ، خطلا مقصودًا ليس الهدف منه سوى التغطية على الفرصة الحقيقية ، والتي تتمثل بإقناع الشعب الأصلي عبر التفاوض لمنح فرصة للمشروع الاستيطاني الاستعماري ليتوسع بدون مقاومة كبيرة من ذلك الشعب الأصلي ، وكذلك عبر قيام الشعب الأصلي بمنح الشرعية عبر التسوية التي يوقع عليها لما يقوم به المستوطنون المستعمرون على حساب الشعب الأصلي.

بهذا الفهم، نفكك أطروحة الفرصة، فإذ تطرح وكأنها فرصة للشعب الأصلي فذلك ليس إلا خداعًا، حيث أن كل تسوية هي مؤقتة فقط في حالة المشاريع الاستيطانية الاستعمارية، وبالتالي فإن ما يطرح كفرصة للشعب الأصلي ليس في الواقع الحق إلا فرصة للمشروع الاستيطاني الاستعماري لكي يستكمل تكونه.

بناءا على هذا التفكيك يستنتج المرء أن استمرار المشروع الاستيطاني الاستعماري بدون أن يوقع ضحاياه على مشروعيته من خلال تسويات مؤقتة تكون لصالح ذلك المشروع ، هو أمر أجدى وأصح لصالح الحفاظ على شرعية الكفاح وجذوته عند الشعب الأصلي. وتعلمنا تجربة أوسلو وأخطائها ونتائجها هذه النتيجة بسطوع تام كما يتبين على الارض.