Advertisements

رمضان شلح: كنت مصلوبا فترجلت

نشر بتاريخ: 13/06/2020 ( آخر تحديث: 13/06/2020 الساعة: 11:59 )

الكاتب: عبد الرحمن شهاب

كان خبر رحيلك على الأبواب، كما كانت جنازتك متوقعة، كجنازة الذين يسيرون عكس التيار أو كجنازة الذين لهم محبون، وأيضًا مبغوضون، كدأب كل الذين يرحلون، لكن ما لبثنا استيعاب الخبر حتى انهمر الرثاء وانهالت التعازي وخيم الحزن الكبير، إلى الحد الذي أربكني، طُلب مني عدة مرات ومن عدة قنوات وإذاعات أن أتحدث عن رحلتك ورحيلك، عن علاقتي بك، اعتذرت، وأخيرًا أغلقت هاتفي، ما الذي يحدث؟ ماذا يمكن أن أضيف في هذا النهر من الأحزان، لستُ شاعرًا لأنظم قصيدتك، وليست لي تجارب شخصية معك سوى القليل والقليل جدًا، مقارنة بمن يتحدثون ويكتبون عن مسيرتهم معك، هل كلهم أصبحوا مؤمنين بفكرة الجهاد الإسلامي؟ أو مبايعين لك؟ لا، ليس إلى هذا الحد وأنت تعلم، تيقنت الآن: أنك كنت مصلوبًا فترجلت، كنت معلقًا على الجدار، وكنت خيلًا تجر عربة تيار جهادي في رحلة تسلق ليس فيها صخرة اتكاء، ولا صدعًا لوتد تغرس سهم حبالك فيه، كنت كما وصفت لي يومًا لا تجد من تتحدث إليه، يتهمونك بأنك تعيش عالم المثقفين ولست خبيرًا بالواقع، كنت تحاول أن تقربهم إلى لغتك، فلا يتوازنون عند تشابه الألفاظ، كان يزحف والرماح نواهل منه، رماح الأصدقاء قبل الأعداء.

لم نعبأ يومًا برمح عدو، ونحن الذين بدأنا مشوارنا بفكرة الكف في مواجهة المخرز، فلقد بدأنا مشوارنا منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، منذ ان كتب الشقاقي "الخميني الحل الإسلامي والبديل"، كان يدرك أن الثورة الإسلامية وكي تصمد ويشتد عودها لابدّ لها من فلسطين، فهي بحاجة لفلسطين أكثر من حاجة فلسطين لها، منذ ذاك التاريخ كانت من أهم أوراقنا ووصيتكم رواية "المسيح يُصلب من جديد" التي تتحدث عن كنيسة، تعيد تمثيل المشهد في ذكرى الصلب كل عدة سنوات، كي تقرب الصورة إلى المؤمنين، فتختار أطهر من في القرية ليمثل المسيح على الصليب، وفي خضم التمثيل يتم قتل الرجل المصلوب حقيقة وليس تمثيلًا، ومن هنا فالمسيح يُصلب كل عام ويُقتل أطهر من في القرية.

كان هو والشقاقي ومن رافقهم اللحظة الأولى يعلمون أن الخط الفكري للجهاد الإسلامي الذي سيتجاوز أزمة السنة والشيعة سيكبل الحركة عن التحليق في سماء الإسلام، وستكسر عصاه وسيصلب من جديد من قِبل دعاة الحرب المذهبية التي خشيها الدكتور فتحي الشقاقي (رحمه الله) حين ظل يشيد بمحاولات التقريب بين المذاهب، ويحثّ على إعادة إحياء سنة الإمام الشهيد حسن البنا في ذلك، باعتبارها من أشرف مراتب الجهاد وأعلاه في عصر الهيمنة الصهيو أمريكية، إدراكًا منه بأن العصبية المذهبية عائق كبير أمام مشروع سياسي إسلامي نذر له حياته على مستوى الأمة بكل مكوناتها، يرتكز في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية على أساسين: وحدة الأمة ومركزية القضية الفلسطينية.

لقد حافظ الدكتور رمضان عبد الله على هذا السياق، بل كان على بصيرة؛ خصوصًا في هذا الملف وتمسك بهذا الملف إلى صدره، فرغم حصار السيولة في المنطقة واشتداد التقاطب، حافظ أولًا على حيادية الحركة في الصراعات السياسية والمذهبية، وكذلك توازن الحركة مع العالم العربي والتقارب مع شيوخ الأزهر. رغم المسؤوليات المادية التي تقع على عاتق الحركة، ورغم أنها ماديا ذُبحت من حبل الوريد، فالعالم السني لم يقدم لها الدعم الذي يليق بها، علمًا بان الدكتور رمضان حاول أن يوسع مفهوم المقاومة من "محور المقاومة" إلى "مشروع المقاومة" ليشمل كل من يدعم القضية الفلسطينية، وينفتح بذلك على العالم السني؛ إلا أن الانطباع السائد في العالم العربي ما زال أن هذه الحركة هي حركة شيعية، وما هي بشيعية، رغم ما وصفه الدكتور ناصر اللحام أن رمضان شلح لم يكن رجل إيران في فلسطين، بل رجل فلسطين في إيران.

لقد كان واضحًا أن كل ما كان ينادي بهِ الدكتور كان ينظر إليه من قِبل الكثيرين من حوله على أنه غير قابل للتطبيق، حتى مبادرة النقاط العشر، رُحب بها من الجميع مجاملة، وليس للتطبيق، فيبدو أن البكاء عليه والرثاء الواسع كان اعترافًا للمرحوم بصوابية خطه ولكن بعد رحيله، بعد أن أصبح كل ما قيل عنه في الدنيا لا ينفعه بشيء، فقد أفضى إلى خالقه، ترجل وبقي هذا المدح والتعاطف من كربلائي يلطم وجهه تأنيبًا لضمير تقاعس يومًا عن مناصرة الحسين (عليه السلام).

أما عن أبناء الجهاد الإسلامي الذين كان يحاول أن يحلق بهم فتثقل بهِ القاطرة فتوقف قلبه، لكن طيفه ما زال يظلهم ويتفضل عليهم، فقد حلق أكثر ممّا لو كان حيًا، كمسيحي يؤمن بأن المسيح قد صُلب كي يتحمل عن المؤمنين بهِ خطاياهم، هذا الترجل منح الجهاد الإسلامي صورة بيضاء ومبايعة وتجديدًا كزائر بيت الله عاد مغسول الذنوب كما ولدته أمه، وأمامهم الفرصة لأن يبنوا على هذا الطهر والبياض ورفع الهمم والترفع عن الخلود إلى الفيء.

استحقاقات من الذين رثوه وبكوا عليه وشعروا بخسارة الفقد

  • الدكتور رمضان لم ينادي بما نادى به انتصارًا لحركة الجهاد، بل الحركة وسيلة وليست غاية، وأبناءها مستمرون على هذا النهج، وإن الأخذ بأيديهم ومناصرتهم هو استحقاق من استحقاقات فلسطين التي دعا إليها الدكتور رمضان، ومن قبله الدكتور الشقاقي.
  • الدكتور رمضان أفضى إلى ما قدم، وعلينا أن نعمل لمثل هذا اليوم.
  • إن ما كان يؤلم الدكتور رمضان وأودي به إلى تعب القلب هو رؤيته لمشروع المقاومة يتعثر ويخفق ويدخل إلى المتاهات السياسية والأمنية والفكرية، فالحفاظ على الإرث يعنى التزام التوازن الذي حافظ عليه.
  • إن ما يسعد الدكتور رمضان في مستقره - ومن قبله الشقاقي - هو أن يرى مشروعه نجمة على جبين الأمة، متجاوزين عن الصغائر متعالين على الجراح، متجاوزين لإخوانكم تقيلون عثرات بعضكم.

  • "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد"، وإن الأمين العام الحالي الأستاذ أبو طارق النخالة غير مخلد، فأرجو أن تقولوا عنه الآن ما كنتم ستقولونه حينئذ.

رحم الله الشهداء، ورحم الله الشقاقي، ومن بعده أبا عبد الله.

اللهم أوسع الرحمة على ماضيهم وأوسع الخلافة على باقيهم وعمنا جميعًا برحمة منك.


Advertisements