الثلاثاء: 20/10/2020

الأحياء والأموات

نشر بتاريخ: 17/09/2020 ( آخر تحديث: 17/09/2020 الساعة: 19:44 )

الكاتب:

محمود التميمي

في رواية الكاتب الروسي "قسطنطين سيمونوف " الأحياء والأموات ، أحداث وتفاصيل كثيرة عن حكايات ومشاهد حقيقية ، وقعت خلال الحرب العالمية الثانية ، في ذروة اجتياح الجيوش النازية للأراضي السوفياتية والبلدان الأوروبية.

وأول ما يتوارد لذهن القارئ من العنوان ، وقبل أن يستغرق في أجواء الحرب الصاخبة ، أن المقصود هو الحياة والموت ، وما تخلفه الحروب من ضحايا يسقطون في أتونها ، وناجين يفلتون من براثنها ، لكن القارئ ، يدرك خلال السياق ، أن الرواية، وإن وثقت مشاهد النجاة والفناء ، فإنها عُنيت بالأساس في تخليد مواقف البطولة والتضحية ، لمن صمدوا وثبتوا ، وافتدوا بلادهم و رفاقهم ، بدمائهم وأرواحهم ، و تسجيل مواقف الجُبن والهوان ، لمن فرّوا أو تعاونوا مع أعدائهم ، فإذا بالجبناء هم الأموات ، وإن بلغو من العمر عتياً ، وبالشهداء هم الأحياء ، وإن قضوا نحبهم ، لأن الحياة إما أن تكون حياةً للقيم والمثل التي يجسدها الإنسان وتمنحه كرامته وقيمته ، وإلا فإن التردي والتهاوي في مهالك الذل والانحطاط هو الموت والاندثار.

تذكرت هذه المعاني ، وهذه النظرة للعالم وللناس وللأشياء ، وأنا أتابع مشاهد التطبيع الثلاثي الإسرائيلي – الإماراتي – البحريني ، على شاشة التلفاز ، وفي حمأة المشاعر المختلطة للغضب والقرف والأسى، أيقنت ، أكثر مما أيقنت في أي وقت مضى ، أن شعبنا الفلسطيني الصامد ، المقاتل ، هو الأكثر حيوية وحرية ، وإن كان تحت الاحتلال ، مقارنة بأولئك البؤساء الفاقدين لحريتهم ، الراسفين بأصفاد الرق والعبودية.

وبالتضاد مع الصور الباهتة والهزيلة للبهلولين الجالسين على منصة التوقيع ، باسم شعوبٍ لم يسألوها ، وبلادٍ أطهر من أن يلوث تاريخها برعونة ، اتقدت في ذهني صور الصبي فارس عودة وهو يتصدى لدبابة عملاقة بحجارته الصغيرة ، والشهيدة آيات الأخرس ،قبل أن تفجر حزامها الناسف ، وهي تخاطب جنرالات جيوشٍ صدأت مدافعها ، وتستصرخ فيهم نخوة ورجولة وا معتصماه، التي ذهبت أدراج الرياح ، والشهيد المقعد " المنتصب القامة " إبراهيم أبو ثريا " وهو يبلغ السياج الفاصل ، برجليه المبتورتين ، ليرتقي شهيدا ، شاهراً علم فلسطين ، يكاد يشد عليه بعضديه، لا يلوي على شيء من الدنيا.

استذكرت قوافل الشهداء، وآلاف الصور والمشاهد الشامخة ، لأبطال الثلاثاء الحمراء ، و القسطل ، والكرامة ، وبيروت ، ومخيم جنين ، وتخوم غزة ، والمحطات الحافلة والكثيرة في مشوار العزة والشرف ، على درب الفدائيين والمناضلين ، وانتفاضات الشعب الفلسطيني وثوراته المتعاقبة ، وكل من وقف معنا وقاتل في صفوفنا والى جانبنا من شعوب أمتنا المجيدة ، فلم تبد صور المطبعين والمهرولين الا ظلالا قاتمة لاحتلالٍ سينجلي ، ورواسبَ ستستقُر في القاع ، وأشباحاً لأمواتٍ ماتوا في دواخلهم ، أقعدهم الخُنوعُ ، ولم يعرفوا معنى الحياة.