الثلاثاء: 20/10/2020

إلى القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية

نشر بتاريخ: 20/09/2020 ( آخر تحديث: 20/09/2020 الساعة: 16:33 )

الكاتب: حيدر عيد

أكتب هذه الرسالة المفتوحة انطلاقاً من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق كل فرد فلسطيني، إن كان في المناطق التي تم احتلالها عام 1967، أو مناطق ال48، أو مخيمات اللاجئين و الشتات، و استشعاراً بالخطر الوجودي الذي يتهدد كل هذه المكونات التي تشكل الهوية الجامعة للشعب الفلسطيني، تلك الهوية التي أصبحت الهدف المحوري للتحالف الجديد الذي يتشكل في منطقتنا بقيادة الولايات المتحدة و إسرائيل. أكتبها بعد قراءتي لكلٍ من البيان الذي صدر بعد لقاء الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بين كل من رام الله و بيروت، و البيان رقم (1) الصادر عن القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية. و في تصوري أن كل الفصائل التي شاركت في اللقاء المذكور ممثلة في القيادة الموحدة، مع عدم علمي إن كانت قطاعات المجتمع المدني العريضة مشمولة أيضاً. و بالتالي فإن هذه الرسالة موجهة لكل فصيل كونه يتحمل مسؤولية ما تم ذكره في البيان، مع اعترافي أن الخطاب المستخدم يعبر بالضرورة عن توجهات بعض المنظمات أكثر من غيرها.

الآن و بعد 72 عاماً من النكبة الفلسطينية التي جاءت نتيجة لإقامة دولة إسرائيل كمشروع استعمار استيطاني في الشرق الأوسط، مشروع يعوض عن عقدة الذنب الغربية بسبب جريمة الهولوكوست المرعبة، و كمشروع يخدم الإمبريالية العالمية، و بعد 13 عاما من حصار إبادي لقطاع غزة وصفته كل منظمات حقوق الإنسان بأنه يشكل جريمة ضد الإنسانية بامتياز، و 3 حروب قتلت ما يتخطى ال4 الاف طفل و رجل و امرأة، و بعد الإعلان عن صفقة القرن التصفوية، و اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم نقل سفارتها إليها، و البدء بتصفية حق اللاجئين في العودة، ثم اتخاذ بعض الدول الخليجية قرارات بالمساهمة في الهجمة الأمريكية-الإسرائيلية، اتخذت فصائل العمل الوطني و الإسلامي قراراً بالاجتماع مما اسفر عن تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية، دون البدء الفوري بتنفيذ وحدة وطنية شاملة، على الأقل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، كأول خطوة ضرورية للبدء بمواجهة مصيرية، خطوة تعيد بعض من المصداقية المفقودة منذ عام 2007لأسباب معروفة و على اعتبار أن ما حصل من أحداث دراماتيكية عبارة عن «تسونامي» سياسي لم يضع فقط حدّاً لتصور الحل القائم على أساس حل الدولتين،بل يعيد الاعتبار لمفهوم التحرير بدلاً من الاستقلال في الأجندات المطروحة،و يتطلب رسم خارطة سياسية فلسطينية جديدة. .

الحقيقة أن قراءة البيان الأول—مع ضرورة عقد مقارنات في هذا السياق بين رد فعل و استجابة الشعب الفلسطيني لبيان القيادة الموحدة للانتفاضة(1987) و بيان القيادة الموحدة (2020)-- لا تعطي أي انطباع عن تغير واع بمدى خطورة الظروف الموضوعية الجديدة. إن أقل الناس تفاؤلاً كان يتوقع بياناً يعبر عن خطاب لقيادة وطنية موحدة تعيد النضال الفلسطيني ضد احتلال عسكري مباشر, و تطهير عرقي ممنهج, و تفرقة عنصرية بغيضة الى أبجدياته التي كانت قد أصابها العطب نتيجة مغامرات سياسية ضارة مرتبطة عضوياً باتفاقيات تم توقيعها في ظروف دولية و عربية غاية في الصعوبة، أي إعادة الروح لخطابٍ مبنيٍ على وحدة شعبنا في كل أماكن تواجده ووحدة نضاله من أجل الحرية والعودة وتقرير المصير. إلا أن البيان، وللأسف، كتب من و إلى سكان الضفة الغربية و قطاع غزة بلغة قيادة شعب يناضل ضد استعمار كلاسيكي و ليس في مواجهة دولة استعمار استيطاني. الحقيقة أن سبل المواجهة التي اعتمدتها المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقتها تحتاج لمراجعات نقدية مبنية على أساس هذا الفهم. من المعلوم أن معركة المؤسسة الحاكمة الصهيونية في الأساس هي ضد فتح أي إمكانية للحديث عن الحرية والعدالة والمساواة كونها مجتمعة تشكل النقيض الأساسي لمشروعها. ويكمن الغرض الأساسي لتلك المؤسسة ليس في بناء نظام ديمقراطي مدني لكل المواطنين على أرض فلسطين التاريخية، وإنما في احتكار أدوات العنف، وإرساء مبدأ رد الفعل غير المتناسب مع أبسط أشكال الاحتجاج والتعبير، ليصبح معلوماً أن أي اعتراضٍ سيتم الرد عليه بمنتهى القسوة. فهل ارتقى البيان رقم (1) لمستوى هذا الفهم من العلاقة بين المستعمِر و المستعمَر؟

إن مفهوم المقاومة الشعبية التي يسيرها إما فصائل تمارس العمل العسكري و تحتكر تعريف المقاومة أو من يرى أن "المفاوضات" هي أرقى أشكال المقاومة يحتاج لمراجعة نقدية جدية. و في هذا السياق يتحتم علينا التعلم من تجاربنا الغنية في الكفاح الشعبي، و تجارب الشعوب الأخرى التي عانت ويلات الاستعمار الاستيطاني و الأبارثهيد الممأسس. و هنا لابد من التطرق لنضال المقاومة الجنوب-أفريقية ضد نظام استعمار استيطاني والتي هي من أكثر التجارب قرباً من القضية الفلسطينية. إعتمدت المقاومة الجنوب-أفريقية في مقاومتها لنظام الابارثهايد على ما أطلقت عليه أعمدة النضال بالذات في مرحلة الثمانينات وبداية التسعينيات وصولا لسقوط نظام الأبارثهيد عام 1994. أثرت المقاومة الشعبية والتضامن الأممي في جعل الوضع داخلياً "غير طبيعي" من خلال جعل إمكانية حكم البلاد صعبة، وخارجياً من خلال عزل كل من ينتمي للطغمة البيضاء الحاكمة، أي مجتمع الاستعمار الاستيطاني العنصري.

و هذا هو المطلوب في الحالة الفلسطينية الغنية بأشكال المقاومة المتنوعة. فقد نجحت حركة المقاطعة الفلسطينية بالبناء على التراث الكفاحي الفلسطيني من ثورة 1936 إلى انتفاضة 1987 المجيدة والهبات الجماهيرية المتلاحقة، بالإضافة للاستفادة من الدرس الجنوب-أفريقي. فلقد حققت إنجازات هائلة منذ انطلاقتها عام 2005 بإصدار نداء المقاطعة الذي تبنته الغالبية الساحقة من منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية، بل إن التركيز يتم على دور المجتمع المدني البارز في حشد الرأي العام العالمي و عزل إسرائيل على نمط ما حصل لنظام الأبارثهيد البائد. و الحقيقة أن دور المجتمع المدني في بنية القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية شبه مفقود، بل يوجد هيمنة فصائلية شبه مطلقة. و قد يكون من المفيد الاستفادة من دروس مسيرة العودة الكبرى ، قبل تحولها إلى مسيرات كسر الحصار. مع الاعتراف أن هذا التحول في الإسم لم يكن إلا تجسيداً لما تم طرحه من قصور نظر لدى بعض الفصائل ذات التوجه الإحتكاري لمفهوم المقاومة، وعدم قدرتها الفكرية على التأقلم والتكيف مع متطلبات النضال ضد أشكال الإضطهاد المركب التي تمارسها إسرائيل كدولة استعمار استيطاني ذات طابع عسكري بحت غير مهيأ لمواجهة مقاومة مدنية.

و هنا يبرز السؤال الأهم عن دور قطاعات المجتمع المدني في قيادة المقاومة الشعبية بتنوعاتها؟ و هل تم على الأقل استشارة أوسع تحالف لهذه القطاعات، أي اللجنة الوطنية للمقاطعة, مع إقرارنا أن الوصول لبيان سياسي يأخذ بعين الاعتبار مبادئ الإجماع الفلسطيني يتطلب جهداً كبيراً، ولكن يجب أن تكون نتيجته التبني الكامل من غالبية مؤسسات العمل المدني الفلسطيني والنقابات والجامعات وحركة المقاطعة والهيئات الخيرية ولجان المخيمات وغيرها من مكونات المجتمع المدني الفلسطيني في كافة أماكن تواجد شعبنا. وعدم حصره بمؤسسات وفصائل سياسية فقط. بمعنى أننا نريد، في ظل تراجع منظمة التحرير الفلسطينية لأسباب عديدة، أن تكون القيادة الوطنية الموحدة هي الرديف لما أسماه الجنوب أفارقة "الجبهة الديمقراطية الموحدة" التي قادت النضال الجماهيري ضد نظام التفرقة العنصرية حتى سقوطه.

كم كنا نتمنى أن تستفيد القيادة الوطنية الموحدة في بيانها الأول من زخم نداء المقاطعة الفلسطيني الصادر عام 2005 عن أكثر من 170 حزب ونقابة ومؤسسة وحركة في المجتمع الفلسطيني، و يتمحور حوله الآن إجماع فلسطيني غير مسبوق، في هضمه تجربة النضال الفلسطيني الطويلة واستيعابه لدروس التجربة الجنوب أفريقية، و بالأخص مواجهة المجتمع الدولي بواجباتهِ والشرعية التي يدعي أنه يقوم على أساسها. و أن يكون النداء واضحاً في مطالبته بحقوق شعبنا الأساسية وأهمها: إنهاء الإحتلال الإستيطاني وتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينييين الى قراهم ومدنهم التي اقتلعوا وهُجّروا منها عام 48, و إنهاء القوانين والسياسات العنصرية الممأسسة ضد فلسطيني/ات ال48.

فلسطين الآن تختلف عن فلسطين التسعينيات. فخلال هذه الفترة تم ترسيخ ثقافة مقاومة جديدة-قديمة تأخذ بعين الإعتبار حقيقة واضحة وضوح الشمس, الا و هي أننا في حالة إشتباك مستمر مع إحتلال استيطاني ذو طبييعة عنصرية وإبادية في نفس الوقت، و قد تبلور ذلك في تصعيد ملحوظ لكافة أشكال المقاومة الشعبية و غيرها بما فيها إطلاق نداء المقاطعة و تأسيس اللجنة الوطنية للمقاطعة. والفارق بين التسعينيات و الآن من حيث الانجازات على صعيد المقاطعة غني عن التعريف حيث جسدت في جوهرها إرادة الشعب الفلسطيني التي عبرت عنها الغالبية الساحقة من أحزابه وأجسامه النقابية والاجتماعية والنضالية في نداء 2005 لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تنصاع بالكامل للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان وتعترف بحقوق شعبنا غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها العودة والتحرر وتقرير المصير. فمن المعروف، مثلاً، وجود توجهات في القيادة الوطنية الموحدة لا تدين اللقاءات مع ممثلي دولة الاحتلال، فهل ستقوم القيادة الموحدة باتخاذ موقف واضح على أساس اعتبارأن أي لقاء فلسطيني-إسرائيلي بعد اليوم, و في ظل الأجواء الوحدوية السائدة، خروج عن الإجماع الوطني الفلسطيني؟ و من المعروف كذلك أن تشكيل القيادة الوطنية قد تم دون رفع الإجراءات العقابية المفروضة على قطاع غزة، مهد الوطنية الفلسطينية، منذ شهر مارس 2017 مما ساهم بتقويض مقومات الصمود التي ترتكز عليها كل بيانات القيادة الموحدة. كم سيكون للدعوة التي وجهتها القيادة الوطنية الموحدة الجديدة للاحتجاجات ضد “الصفقات المخزية” مصداقية عالية لو تم الإعلان أيضاً عن إجراءات عملية جديدة بحق غزة!

ريما يجدر بنا ضمن سياق ثقافة المقاومة السائدة ، التركيز على دور القيادة خلال مرحلة النضال و الكفاح على أنها التي، بعد أن تصهر نفسها في الناس ومع الناس، تتحول إلى ميقظ للشعب، كما يقول فيلسوف حركات التحرر الوطني فرانتز فانون. و هنا يبرزالسؤال عن مدى مشاركة الصف الأول من قيادات الفصائل في الفعاليات التي طالب بها البيان الأول بالنزول إلى الشوارع والتعبير عن الغضب و رفض اتفاقيات التطبيع الأخيرة؟ .

. لقد آن الأوان لنضال جدي حاسم من أجل الحرية و المساواة و العدالة. فكم عدد المنظمات الممثلة في القيادة الموحدة التي وصلت لقناعة عملية، و ليست نظرية فقط، أن التحرير وتقرير المصير لم يعودا شعارين من الماضي بل أصبحا الشعارين اللذين يجب أن يتمحور حولهما النضال الفلسطيني والأممي من أجل الوصول لسلامٍ عادلٍ وشامل، و أن هذا هو البديل لما يتم طرحه من صفقات تصفوية؟ نعم، ما تبقى لنا هو الإرادة الشعبية البعيدة كل البعد عن الشعارات ذات المضامين الفارغة و التي عن طريق حملة مكثفة ومتنامية من المقاطعة يجب في المحصلة النهائية أن تؤدي كما حصل مع النضال الجنوب أفريقي إلى التحرير. و عليه، و بناءً على الصمود الهائل، الذي قد يصبح خرافة في ظل الانقسام العمودي و الأفقي المهيمن، و الداعم لمقاومة شعبية خلاقة, نستطيع رفع سقف مطالبنا من خلال ربطها الأن بحق العودة و بحلول جذرية مرتبطة بشعارات واقعية و مبدئية في نفس الوقت: نهاية الاحتلال و الأبارثهيد و الاستعمارالاستيطاني!