السبت: 05/12/2020

الوقت من دم.. الوقت من وطن

نشر بتاريخ: 22/11/2020 ( آخر تحديث: 22/11/2020 الساعة: 12:20 )

الكاتب: عوني المشني



سكت الكلام
هو سيأتي ، ربما لن يأتي ، لكنه قطع الوعد ان يأتي ، قد يأتي او لا يأتي ....... وانتظرنا سنوات في طريق مقفرة ، ثرثرنا كثيرا ، بنينا الوهم قصورا ، عاقرنا الامل خمرا ، وعشنا ترف الانتظار ......
ولكنه لم يأتي .....
هكذا حال شعبنا ..... كشخصيات صموئيل بكيت في مسرحيته الرائعة " في انتظار غودو " .

سكت الكلام
انتهت المراهنات على الاصلاح من الداخل ... النقد البناء ، والنصح والارشاد ، والمشورة والاستشارة ، جميعها سقطت ، ولم تعد تجدي ، فالموضوع ليس خطأ نابع عن جهل او عدم خبرة او تقدير في غير مكانه ، الموضوع منهج وعن سبق اصرار ومعرفة مسبقة بابعاده ، الموضوع شبكة معقدة من المصالح ، الموضوع تداخل المحلي بالاقليمي بالدولي لتصنيع وتاسيس نظام بابعاده الادارية والاقتصادية والسياسية والثقافية .

سكت الكلام
انتهت المراهنات على معارضة اصبحت وجها اخر تكمل النظام ، معارضة فقدت ادواتها واليات عملها وخطابها واوتار صوتها ، معارضة " تدجنت " ودخلت بيت الطاعة بخيارها ، معارضة وظيفتها في هذا النظام هي قطع الطريق على نشوء معارضة حقيقية مختلفة .

سكت الكلام
استنفذنا كل التحليلات والتوصيفات والاستنتاجات ، قتلنا الامر تحليلا وبحثا ، فتشنا تحت كل حجر ، اضئنا كل زاوية ، استخدمنا المنطق واللا منطق ، استهلكنا قدراتنا العقلية ومخزوننا العاطفي ، وظفنا التاريخ والجغرافيا والفلسفة والاقتصاد في قراءة الوضع ، وصلنا الى النتيجة الاجبارية ، وضع خرج عن السيطرة ، لم يعد قابل للاصلاح ، المقاربات لتصحيح المسار تجاوزتها الاحداث .

سكت الكلام
الوضع كالتالي : نحن امام منهج غير قابل للاصلاح ، معارضة فقدت لون جلدها وبريق عينيها واوتار صوتها ، ولم يعد التحليل مجدي كون الامر بات بديهيات لا تحتاج الى اثبات كما هي البديهيات العلمية . نحن امام مثلث متساوي الاضلاع ونسبي في مسئوليته عما آلت اليه اوضاعنا : السلطة وهنا وفي مكان مكان اذكر السلطة اقصد سلطتي غزة والضفة ، المعارضة الرسمية وهي تنظيمات اليسار الفلسطيني وحركة الجهاد الاسلامي ، والمثقفين والتكنوقراط الفلسطيني ومؤسسات المجتمع المدني . كلا الاطراف الثلاث فشلت في اجراء او دفع الحالة الفلسطينية الى ما هو افضل ، واذا كان واضحا دور السلطة والمعارضة في هذا الفشل فان التباسا من نوع ما يكتنف دور المثقفين والتكنوقراط الفلسطيني ومؤسسات المجتمع المدني ، الالتباس هنا كون هؤلاء لا يمثلوا شريحة متجانسة اولا وثانيا دورهم الطبيعي ينحصر بكونهم قوة تفكير اكثر من كونهم قوة فعل ، وهذا يقلل الى حد كبير من مسئوليتهم ولكن عندما لا يستطيعون ترجمة افكارهم الى الرائعة الى برامج وادوات تغيير فانهم يتحملون مسئولية ، عندما لا يستطيعون التاثير في القوى السياسية اولا وفي صياغة الرأي العام ثانيا فان هذا يحملهم قسطا من المسئولية ، عندما يختارون منهج السلامة الشخصية بعيدا عن التصدي المباشر للمهمات الفكرية بجدية هذه ايضا تأتي في الحسابات ، اضافة لتقاعس ما في دورهم في تفعيل مؤسسات المجتمع الهمني من نقابية ومؤسسات بحث وفكر مؤثرة . ربما هم حاولوا ويستحقون شرف المحاولة ولكن محاولاتهم لم تكن بالجدية الكافية لاحداث التغيير .

سكت الكلام
هل يعني هذا اننا امام قدر لا مهرب منه ، هذا هو حالنا ، لنتعايش معه ؟!!!! بالتاكيد الامر ليس كذلك ، ولن يكون الركون للاحباط واليأس من التغيير هو النتيجة النهائية ، دوما وابدا هناك خيار اخر يفضي الى ما هو افضل ، هناك خيار تشكيل جبهة عريضة بافكار محدده وواضحة .... جبهة بعيدا عن الشخصيات التي فسدت او " باعت واشترت " في شعبنا ، بعيدا عن الاحتكار الذي يمتص دم شعبنا ويتحالف مع اعداءه ، بعيدا عن مثقفي البلاط ورجال افتاء البلاط ، بعيدا عن مزوري التاريخ ومروجي الوهم وقصيري النفس .
جبهة وطنية عريضة وفاعلة ، لا حزبية اولا ، برنامج انقاذ وطني ، التعاطي مع القضايا بتفاصيلها ، ليست ضد احد وليست في جيب احد ، تنأى عن المناكفة والمحاصصة ، تعيد صياغة الرأي العام ، تتابع كل القضايا ، تخرج للشارع اذا ما لزم الامر ، تحترم ارادة الجمهور ، جبهة مرنة في البنية وثابتة في المواقف ، جسورة وغير خجلة . جبهة تلتقي او تختلف مع الاخرين على قاعدة المواقف وليس الشخوص ، تلتقي حيث يجب وتختلف حيث لا مفر .

سكت الكلام
بالامس كان مبكرا ، غدا قد يكون متاخرا ، اليوم هو الوقت المناسب ، طفح الكيل ولم يعد وقت لترف الانتظار ، ضاق الزمان علينا والانتظار اكثر سيجعل الزمان يضيق بنا ، لا شيئ في الافق ننتظره
الذي لا يأتي سنذهب اليه
والذي ننتظره هو بين ايدينا وامام ناظرينا
والوقت من دم والم ، الوقت من وطن
لا وقت للوقت ، لا وقت للكلام ، ماتت الحروف على شواطئ المعنى .