الاحتلال يستهدف الطفولة الفلسطينية بشكل ممنهج

نشر بتاريخ: 06/04/2021 ( آخر تحديث: 06/04/2021 الساعة: 17:07 )

الكاتب: عبد الناصر عوني فروانة

لم تستثنِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأطفال الفلسطينيين من اعتقالاتها والزج بهم في سجونها ومعتقلاتها سيئة الصيت والسمعة، دون مراعاة لصغر سنهم أو تلبية أدنى احتياجاتهم الأساسية والإنسانية، ودون احترام للقواعد النموذجية الدنيا في معاملة الأطفال المحتجزين، ويُقدر عدد من اعتقلتهم منذ العام 1967 بما يزيد عن (50.000) طفل فلسطيني، ذكورا واناثا، حيث جعلت من اعتقال الأطفال الملاذ الأول ولأطول فترة ممكنة، بخلاف ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل.

لقد شكلّت عمليات اعتقال الأطفال الفلسطينيين، سياسة إسرائيلية ثابتة منذ بدايات الاحتلال الإسرائيلي، واستمرت دون توقف طوال العقود الطويلة الماضية، ورافقها كثير من الانتهاكات الجسيمة والجرائم الفظيعة، بهدف تشويه واقعهم وتدمير مستقبلهم والتأثير على توجهاتهم المستقبلية بصورة سلبية وخلق جيل مهزوز ومهزوم، إذ لم تخلُ السجون الإسرائيلية يوما من تمثيلهم.

ويُحتجز الأطفال في ظروف صعبة وشروط حياتية قاسية، ويتعرضون إلى صنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، ويتلقون معاملة لا إنسانية وأحياناً يُعاملوا بقسوة وعنف، وتُنتزع الاعترافات منهم تحت وطأة التعذيب والتهديد، ويُحرموا من أبسط حقوقهم الأساسية، كالحق في التعليم والعلاج والغذاء وزيارات الأهل والمحاكمة العادلة وغيرها.

وخلال السنوات الأخيرة تمادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في امعانها وجرائمها بحق الأطفال الفلسطينيين، وخاصة أطفال القدس، حيث ناقش الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) وأقر عدة قوانين تستهدف واقع ومستقبل الأطفال الفلسطينيين، وبما يسهل اجراءات اعتقالهم ومحاكمتهم وتغليظ العقوبات بحقهم مثل: قانون محاكمة الأطفال دون سن 14 عاماً، قانون تشديد عقوبة الحد الأدنى على راشقي الحجارة في القدس، قانون رفع الأحكام بحق الأطفال راشقي الحجارة.

ان هذه الوقائع وغيرها الكثير، رسخت القناعة لدينا ولدى كل المتابعين، بأن دولة الاحتلال بكل مكوناتها قد شاركت وتشارك في استهداف الأطفال وتدمير الطفولة الفلسطينية، في إطار سياسة اسرائيلية ثابتة وممنهجة. الأمر الذي يستدعي من الجميع، وعلى وجه السرعة، تدارك الخطورة واتخاذ العديد من الخطوات العملية وبذل كثير من الجهد من أجل انقاذ الأطفال الفلسطينيين وحماية مستقبلهم من الخطر القادم.

ان الصورة القاتمة في استهداف الأطفال ومعاملة المعتقلين منهم، لم تتغير أو تتبدل منذ انتشار فايروس " كورونا" في المنطقة في آذار/مارس من العام الماضي، ولم يطرأ أي تحسن على طبيعة ومستوى المعاملة الإسرائيلية مع الفلسطينيين عامة والأطفال خاصة، فواصلت سلطات الاحتلال اعتقالاتها للأطفال وقمعها لهم، وفي هذا الصدد سُجل اعتقال نحو (543) طفلاً خلال العام المنصرم2020، فيما سُجل اعتقال نحو (230) طفلا منذ مطلع العام الجاري، غالبيتهم من القدس، ومازالت سلطات الاحتلال تحتجز نحو (140) طفلا، يتواجدون في سجون عوفر ومجدو والدامون.

وفي زمن "كورونا" لم يتغير الحال، والجائحة لم تشفع لهم من بطش الاحتلال، ولم تدفع ادارة سجونها الى تغيير قواعد معاملتها للأطفال الفلسطينيين. فهي لم تتوقف عن ملاحقتهم واعتقالهم، ولم تجرِ أي تحسينات على ظروف احتجازهم، ولم تتخذ اية اجراءات أو تدابير لحماية الأطفال المعتقلين وضمان سلامتهم، في تحدي فاضح وصارخ لأبسط قواعد القانون الدولي. كما ولم توفر لهم البديل للتواصل مع أهلهم وأحبتهم بشكل دائم بعد أن وضعت العراقيل أمام انتظام زيارات الأهل والمحامين بذريعة "كورونا"، فيما أوقفتها بشكل كامل بالنسبة لأسرى قطاع غزة، وما زالت متوقفة، مما يؤثر سلباً على الأطفال من أبناء الأسرى.

لقد دفع الأطفال الفلسطينيين ثمناً باهظاً، على مدار سني الاحتلال، ومن يقرأ شهادات الأطفال الذين مرّوا بتجربة الاعتقال يُصاب بالذهول والصدمة، ويكتشف أن غرف التحقيق والتعذيب ومراكز الاحتجاز، ليست سوى مسلخ للطفولة الفلسطينية وافتراس لكل ما هو جميل ورائع فيها، وأن كافة سجون الاحتلال ومعتقلاته، هي أماكن لاستهداف براءتهم وتدمير مستقبلهم، وأن حقوق الانسان وحقوق الطفل الدولية ليس لها مكان على أجندة الاحتلال حينما يتعلق الأمر بمعاملة الأطفال الفلسطينيين، فيما تفاقمت معاناتهم أكثر مع انتشار فايروس "كورونا"، وتضاعفت مع تصاعد الانتهاكات بحقهم واستمرار الاستهتار الإسرائيلي بحياتهم وأوضاعهم، ولم نعد نرى فرقاً بين فيروس كورونا والسجان الإسرائيلي، فكلاهما يقتحم الجسد ويُعذب النفس ويؤذي الإنسان.

وفي الختام لابد من توحيد الجهود وتكثيف العمل والاستمرار في المطالبة ليس بتحسين ظروف احتجاز الأطفال المعتقلين فقط، أو توفير وسائل الحماية والوقاية لهم من خطر "كورونا" فحسب، وانما الافراج عنهم جميعا ووقف ملاحقتهم واعتقالهم واحترام المواثيق والاتفاقيات الدولية في التعامل معهم، واحتضان واعادة تأهيل كل من مروّا وتأثروا بتجربة الاعتقال، بما يضمن حماية واقع ومستقبل الطفولة الفلسطينية.