القدس أهم من الفوز في الانتخابات

نشر بتاريخ: 05/05/2021 ( آخر تحديث: 05/05/2021 الساعة: 09:00 )

الكاتب: د. رمزي عودة

ليس سراً أن قرار السيد الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات العامة كان قراراً جريئاً جاء في لحظةٍ مصيريةٍ حاسمة. ففي أثناء إستعداد القوائم الانتخابية المتنافسة في البدء في حملتها الانتخابية، وفي ظل التصعيد الاسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني في القدس، وفي ظل سيادة حالة من الصمت الأوروبي والعالمي تجاه الرفض الاسرائيلي للسماح للمقدسييين بالتصويت في الانتخابات التشريعية، جاء قرار السيد الرئيس بتأجيل الانتخابات العامة، ليعبر عن حالة التوافق بين غالبية فصائل العمل الوطني في التصدي للمشروع الصهيوني من جانب، وليعكس القرار تصميم القيادة الفلسطينية على الاستمرار في التصدي لصفقة القرن والعمل على إجهاضها.

وبرغم أن الجميع كان يدرك واقع الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، حيث تعتبر الانتخابات بشكل عام أداةً فعالةً للتحول السياسي والتداول السلمي للسلطة وتجديد الشرعيات، كما أنها في إطار الخصوصية الفلسطينية تعتبر أداةً ومدخلاً لإنهاء الإنقسام، فان قرار السيد الرئيس عبر في جوهره عن أن الأولوية الأساسية للفلسطينيين هي التحرر من الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وأنه إذا ما حدث أي تعارض بين عملية الإنتخابات من جهة، وبين أولوية التحرر من جهة ثانية، فإن الفلسطينيين قيادةً وأحزاباً وشعباً سيختارون حتماً أولوية التحرر.

لقد راهن الإسرائيليون ومن يسير في ركبهم، بأن الرئيس أبو مازن وفي ظل التحديات الداخلية والخارجية سيجد نفسه مرغماً على الإستمرار في العملية الانتخابية، ولن يكون بوسعه إتخاذ قرارٍ مصيريٍ هام يقضي بتأجيل الانتخابات، وهم من أجل تحقيق هذه الغاية، راوغوا في الرد على رسالة حسين الشيخ التي تطلب من حكومة الاحتلال عدم إعاقة الانتخابات في القدس، كما أنهم راوغوا أيضاً في الرد على رسائل الاتحاد الاورروبي المتكررة حول نفس الغاية، وهم بهذه المراوغة كانوا يسعوون من جانبٍ الى منع أخذ دليلٍ رسميٍ على رفضهم تنفيذ الإتفاقات الموقعة بينهم وبين الفلسطينيين لاسيما في قضية الانتخابات في القدس، يمكن بالتالي أن تتحمل إسرائيل مسؤوليةً قانونيةً دولية على ذلك الرفض. ومن جانب آخر، كان هدف مرواغتهم إيصال الفلسطينيين الى نقطة اللاعودة، بحيث يصعب عليهم تأجيل الانتخابات في اللحظة الأخيرة، وبالضرورة الإضطرار الى إجرائها بدون القدس، وهنا، فإن إسرائيل ستحقق نصراً دبلوماسياً وقانونياً يكرس صفقة القرن بإعتبار القدس الموحدة عاصمة للدولة العبرية كما أقرتها الصفقة.

ولكن يبدو جلياً أن مراوغة الجانب الاسرائيلي باءت بالفشل، وقام الرئيس أبو مازن بدون ترددٍ بتأجيل الانتخابات العامة عندما أيقن خطورة المراوغة الاسرائيلية وتداعياتها السياسية والقانونية على المدينة المقدسة. وعندما لُفت نظر السيد الرئيس من قبل أحد قادة اللجنة المركزية لحركة فتح حول أن هذا القرار قد أضاع فرصة فتح التاريخية في الفوز في الانتخابات وإنهاء ملف 2006، أجابه الرئيس بثقةٍ عالية بأن القدس أهم من الفوز في الانتخابات، وأنه لا يريد أن يُسجّل التاريخ عليه بأنه تنازل عن القدس في انتخابات عام 2021، لأن ذلك سيكون مقدمةً للتنازل عنها سياسيا. وبالمجمل، كان هذا القرار "فدائياً" ومفعماً بالمبادئ الوطنية والنضالية التي تُرفع لها القبعات وتنتصب لها الهامات، إحقاقاً لحق الفلسطينيين في التحرر من الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.