حرية القول في ظل عصر الغلمان

نشر بتاريخ: 21/07/2021 ( آخر تحديث: 21/07/2021 الساعة: 09:32 )

الكاتب: يونس العموري

قف على ناصية الزقاق العتيق وأعلن عن ذاتك حيث المشهد يبدو أكثر وضوحا، والعرين قد أضحى بيتا للثعابين، واقذف حقيقة حلمك بوجه العابثين بمصيرك. والطريق الى البيت قد أصبح البعيد، ونداء البعيد للبعيد صراخا عبثيا في ظل التيه، والشعار الأكبر يتصدر المشهد بالطريق الى التحرير، وصناعة المشهد تتصدر العناوين، والحرية تُنتزع انتزاعا ولا سبيل للمساومة ، والمهادنة واحدة من أفعال الشياطين، والتعبير عن الذات قد أضحت غير مقبولة وممنوعة من التداول ببلاد اللبن والعسل والتين، والعبيد يرفضون وقائع اللحظة، والإصرار بأن طريق التحرير يكون من خلال اطاعة اولي الامر فيهم وفينا ...
وكنا ان نقشنا شعاراتنا وأبدعنا في التعبير عنها بما يتناسب والمعادلات الحاكمة بالمراحل العابرة وتلك اللحظات العصية العاصية، والفهم احيانا يستعصي على الأطروحة، ومن يعمل قد يقع بالخطأ احيانا وتظل تجربة الثورة والثوار واحدة من قياسات الفعل وردات الفعل للتمرد.

وفي ظل الاستكانة والمهانة تطل الهرطقة بأشكالها الصارخة الفاقعة اللون بالكلام الأجوف بما يخدم المصالح وتقاطعها وهي الظاهرة التي أضحت صناعة محترفة لذوي الكلام من على منصات التجويف والتسطيح الكلامي، وظهرت وتمظهرت الشعارات التي ليس لها علاقة بأي منطق او قانون يحكم وقائع الواقع الراهن…
ويضل الثابت هو المتغير في عوالم الكثبان الرملية المتحركة ، والغلمان قد أضحوا الكبار في لعبة الشد والجذب ما بين قياصرة روما الجدد.

فحينما يصبح التطاول على من ينادون بحرية العيش والنطق بما يجول بالذات من غلام يقبع بصحاري التيه علنا ومصرح به،اذن نحن امام لحظة انقلابات كبرى، ترمي بثقلها هنا في ظل سياسات الارضاء والتراضي للغلام ، وللحقيقة وجهان وتظل الحقيقة الراسخة التي كان قد أعلنهاالكل ورواد الثورة والتغير بحق الشعب بامتلاك مبادرته واحقيته بالتعبير عن ذاته، ولابد من الادراك بان الشعوب التي تساوم المستعمر على حريتها توقع في نفس الوقت وثيقة عبوديتها.. وهي الحقيقة المناهضة للغلمان الحاكمة للمنطقة في العصر الحاضر. وبالأرض السمراء نحاول الإفلات من استعبادنا وإرغام ارادتنا للاستكانة والعبث بمصائرنا لكن دون جدوى، فالرسميات هنا وبطرفي جغرافيا الوطن المسلوب المُنقسم تتسابق في مبايعة غلمان المشهد الجديد.
يتصدرون المشهد ويحاولون معاكسة حقيقة الاشياء ومعانيها ويعبرون ونحن من خلفهم في دروب المتاهة المعقدة ويأتون بأرباب الكهنة والكهنوت واصحاب الطرق المتشعوذة لتطويع قوانين معادلة الوجود للشعب الباحث عن ديمومة حركته بتقرير المصير والبحث عن الوجود واثبات الذات في دهاليز التاريخ وامتداد الحاضر لاستشراق المستقبل، والشمس ما زالت من الشرق إشراقها ومن الغرب مغربها.
وتطرح الأسئلة ذاتها وبقوة في لحظة انبثاق الحقيقة في ظل المتاهة والتوهان ومسارات التيه، عم آل اليه وضع جماهير الأرض المحتلة ...؟؟ واستكانة الخنوع واحتراف فعل السكوت والركوع في ظل ان الثابت هو المتغير ،حيث الخراب بفعل المسمى المتغيرات العصرية على الساحة الاقليمية وتلك الدولية ،
تائهون مندفعون كالفراشات نحو الضوء الذي يبدو بعيد ويتراءى لهم من بعيد البعيد مزهوا بنوره الذي ينبئهم بنهاية السير على الشوك بالنفق المظلم، في حركة البحث اللولبية مازالوا وبشكل دائم ودؤوب، يرتعشون خوفا من ان تغتال احلامهم مرة اخرى، باتوا يقظون اكثر، يجيدون صناعة الكلام الذي من خلاله قد تنبلج شمس الحقيقة على اشياءهم المهملة، يدركون انهم امام مهمة قد تكون المستحيلة لكنهم قد جسدوا وتجسدوا بالحلم واصبح واقع لوقائع العصر الجديد، فقد سقطت مومياء فرعونهم وتعرت امامهم منكشفة عورتها القبيحة بعد ان ظلت لعقود متجملة متزينة في محاولة منها لمواره قبحها، ادركوا انهم امام بلد يتلظى بالشوك والقهر والكثير من الوسخ المهمل المتراكم على جدران سنينهم، جاءوا حاملين على اكتافهم القليل من الاحلام والكثير من الآمال وبعض من قتات اليوم فلعل وعسى، ادركوا حقيقة التغير وامكانيته في ظل كثرة الروبيضات في عصر البزنس وتغول ذو الكروش المنتفخة ، والناطق المتطمنق بالخطابات المعبرة عن الذات التابعة لكسرى ومبايعة هرقل واحدة من احدث اساليب الولوج الى منصات التتويج ، ومناداة المناذرة لمبايعة روما …
هنا حيث الرباط على الدرجات المؤدية للباب الشمالي العظيم للعبور الى صفاء الروح المعتقة جلسوا بعضا من الحالمين بالغد الافضل ، وحاولوا صناعة المعجزة ، فاذا بها تتحقق بشكلها المباغت ، وكان لهم حرية الصراخ والعبث بمأساتهم وصدى الصوت المرتد على جدران الأزمان ازعج امراء الصدفة، وتتسلل حريتهم كشمس الأصيل، افترشوا الارض في محاولة منهم لملامسة التراب حتى يستشعروا الحياة …. وهم الفقراء الذين يعايشون فقرهم بعزة عند الأسوار الرابضة تحت ضوء القمر، وللفقراء باعراف الأسياد ومن يتربعون على العروش الكرتونية مكامن اخرى، وللفقراء فقط حق دخول جهنم، فجهنم الفقر لهم ولا شريك لأحد فيها سواهم، ولا جنة الا جنانهم بآتون الفقر والحرمان، وللفقر قصص وحكايات مع ابطال الحواري المتمرغين بتراب الأرض، فها هو المشهد يبدو اكثر اتساعا على المستوى الإقليمي وكأن الفقر قد بانت اسنانه وكشر عن انيابه صدفة او بمفاجأة علية القوم وسادة العصر الجدد…

وللفقراء فقط الحق بأن يُضربوا وأن يُذبحوا، وتُقطع عنهم رواتب العيش، وان يمارس بحقهم كل اشكال التعسف والقهر، فهؤلاء فقراء، أتوا الى الدنيا بالصدفة، الفقراء هؤلاء وبالمشهد الراهن المُسيطر الأن على الساحة ينتفضون بكل الأمكنة، محاولين ان يستغيثوا بعد ان اصبح استمرار العيش وممارسة الحياة لغزا من الغاز سادة الأمر والنهي، لا عليك سيدي الفقير فأنت المقهور، ممنوع من ان تحيا فوق الأرض، وممنوع عليك إعلاء كلمتك، وان تقف موقف الصارخ للحياة، ممنوع ان تمارس الغضب وممنوع ان تقول كلمتك بوجه التنين المتغول في دهاليز صناعة عصر الغلمان الجدد ، لا يمكن ان يقبلوا بمواطنيتك الأولى وعليك ان ترضى بدرجات المواطنة وفقا لمقاييس العصر واسس حداثة تعريفاتهم المستحدثة ، ومطلوب منك الموافقة دون تردد على ما يقرونه هناك بالغرف المظلمة .

وان كان إقرار قانون اللحظة للضرب والسحل والاعتقال هو الطريق الوحيد للتحرير وتقرير المصير ، وهم من يقررون مصيرك ومن يعرفون مستقبلك وهم من يخططون للعبث باشياءك وانت المُطيع المواطن الصالح المستكين وان خرجت الى الميادين صارخا محتجا فحتما ستكون المتمرد العابث والمخرب .
هو القتل والذبح والحرمان من جديد لكل فقراء العصر هنا، ويبدو المشهد اكثر اتضاحا باللحظة الراهنة حينما طالبوا بالحياة، وانيستجدوا لقمة العيش وان يأكلوا رغيف الخبز او بعضا منه..
هي الحرب الجديدة على فقراء ارض الزيتون المعذبة، حتى يتم تدجينهم وتهجينهم ومصالحتهم مع مبادىء امراء الدين الجديد وحكام عاصمة الصدفة، وهو الحرمان الذي سيجبرهم على القبول بمعادلة السيد والعبد من خلال فعل التجويع وبالتالي القبول بترسيم جغرافيا الانفصال والانقسام والإذعان لأمراء البيت الأبيض، ومن هنا يكون ما يجب ان يكون بعرف سادة العالم وتفصيل المغانم ومحاولة إستيعاب ثورة العبيد للخلاص من ازعاجاتهم المتكررة لرغد الحياة في القصور … لكن بعرف هؤلاء لابد من العبيد الفقراء حتى يكون للحياة طعمها الممزوج برائحة عرق العمال والفلاحين … وحتى يكون للنبيذ الأحمر المعتق من يقدمه على صواني الفضة منحنيا … ولابد من سيجار أتيا من حقول كوبا حتى يستوي المشهد من جديد ، وبصوت مرتفع مرتجف تكون الاوامر ( نبغي الهدوء ) نريد منكم الاستكانة والخضوع وعشرات الملايين بانتظاركم يا معشر الفقراء المنتفضة ارادتهم عند الخط الفاصل مع ارض الاحلام …
اذن لا بد من ان يكون للفقراء الحق بدخول جهنهم وفقا لإرادة سادة الجنة، ولابد من تفصيل القوانين والمراسيم حتى يتم كبح جماحهم ، والجوع والتجويع سيد الموقف.
في عواصم الفقر يبدو المشهد اكثر جلاء لفعل التغول المعولم والمعلب لإقتصاد السوق الحر وقوانين صناعة زعماء اللحظة لذوي الكروش المنتفخة والمتحالفة مع البزات الرسمية التابعة لأجهزة القمع الحاضرة بكل لحظة للإنقضاض على ذوي الأفواه الجائعة المنتظرة لفتات موائد ملوك اللحظة وامرأء اقطاعيات المسيطر على خبز يومهم وقوت يومهم ، وان قالوا كلمتهم وطالبوا بحقوقهم قيل لهم هذا من فعل الشياطين وبلطجة البشر وزعرنة الانسان ، وان قالوا لاءهم تحولت الى فعل مجانين يريدون ان يدمروا المشهد الحضاري للبلد ، لكن ان يموتوا جوعا وان يركعوا عند اباطرة الدولار فذاك الفعل المتناسق ولغة ومتطلبات معادلة الوجود،

هي انتفاضة الجوع … وانتفاضة الخبز … وانتفاضة الحق بالقول الفصيح والصراخ بحرية الكلام متى تشاء ولعنة الفقراء … وقبضات بالسماء تلوح .. وشعار يطلقه طفل مرتمي بأحضان شوارع غزة ، وصرخة ثائر تحول الى موظف بحاكمية البزنس الليبرالي المعتدل في بازار الخدمة المدنية تحت حراب بنادق الاحتلال بضواحي الموت المحكوم بكل لحظة في ظل سماء الوطن المسمى مجازا فلسطين ، لفلسطين اليوم وفي ظل فقراء اللحظة اكثر التسميات شيوعا … فمنها ما يستوي وحقيقة الموقف والأطروحة السياسية الجديدة للحكام المنتظرين عند ارصفة الانقضاض للتربع على العرش لمنصة حاكمية السراب والمتوافق ومعادلات البورصة وحكمة التعامل والتعاطي وخيارات سادة عوالم البيداء العربية وتناحرهم في ظل محاور الصراع لذبح الفقراء وتركيعهم عبر قرارات تتم صناعتها واصدارها لخلق توازنات الجوع …
في ظل هذا الفقر لابد للفقراء من ان يعتزوا بجهنهم ولابد لهم من ان يلفظوا جنانهم وبالتالي لابد من ان يكون الموت مباحا على الطرقات … وللفقراء الحق ان يختاروا موتهم لئلا يموتوا جوعى …فحرية الموت … موت مجيد … وحرية العيش … عيش رغيد … وللفقراء لهم ان يكونوا كما يجب ان يكونوا اذلاء للحق وكرماء بالدم حينما يكون للموت معنى للحياة واستمرارا لتواصل فعل الحياة …