لعبة الإبتزاز الاسرائيلي ستنتهي!

نشر بتاريخ: 25/07/2021 ( آخر تحديث: 25/07/2021 الساعة: 17:59 )

الكاتب: د. رمزي عودة

في التسعينات، تعلمنا ونحن طلبة للعلوم السياسية في الجامعة الأردنية، أن "إسرائيل" تتقن لعبة"الرخاصة"، فهي أرخص إحتلال، كما أنها أرخص قاعدة عسكرية للإمبريالية الأميركية، وهذه "الرخاصة" تمنح إسرائيل ميزة مهمة جاذبة للتحالف مع الدول الكبرى كونها تتم بأقل تكلفة ممكنة. الا أن اسرائيل بدأت تمارس دوراً جديداً في القرن الواحد والعشرين، فحتى تتمكن إسرائيل من ممارسة دورها كقاعدة عسكرية رخيصة تدافع عن المصالح الإمبريالية في المنطقة، فإن عليها أن تستمر في إحتلالها بأرخص تكلفة ممكنة وأكثر منفعة ممكنة، ولهذا، فإنها لا تنفق على المناطق الفلسطينية المحتلة، وتقوم بمصادرة أراضيها وتبيعها للمستوطنين بأثمان باهظة، كما تقوم بإعتقال آلاف الفلسطينيين الأسرى سنويا، ولكنها لا تنفق عليهم، وإنما تدفع السلطة الوطنية الفلسطينية والتنظيمات الحزبية والمنظمات الدولية تكلفة أسرهم. وتمنع حكومة الاحتلال الشعب الفلسطيني من الاستيراد الحر في الوقت الذي تحتكر السوق الفلسطيني صناعاتها. في المحصلة، فإن إسرائيل " دولة احتلال إمبريالية بامتياز، وإشكاليتها الرئيسة تكمن في كون الاحتلال قيمة مرفوضة جداً في القرن الحالي من قبل الرأي العام الدولي!

ومن أجل تجاوز الاشكالية السابقة، تسعى إسرائيل لتبرير إحتلالها وذلك من خلال إقرانه بمفهوم الأمن. بمعني آخر، تبرز إسرائيل المخاطر الأمنية الكبيرة التي ستقع عليها فيما لو إنسحبت من الضفة الغربية، حيث تفتقر الى العمق الاستراتيجي في الوقت الذي يجعل هذا الانسحاب حدودها الغربية مفتوحة أمام "الأعداء". ويساعدها في تقديم مقاربتها الأمنية هذه عاملين أساسيين؛ الأول هو الخطر الايراني التي ستنتهز الفرصة وستطور قريباً أسلحة نووية تستطيع تدمير إسرائيل، أما العامل الثاني فهو الخطر المنطلق من قطاع غزة ومن شمال لبنان واللذان يخضعان بشكل كبير للنفوذ الايراني.

بمراجعة بسيطة للعقيدة الأمنية الاسرائيلية والتي يحاول معهد إسرائيل للأمن القومي تطويرها، سنجد المخاطر أعلاه في أولوية مصفوفة تهديدات الأمن القومي الاسرائيلي. وفي هذا الإطار، تتفق غالبية الأحزاب الاسرائيلية في إسرائيل بما فيها حزب "أزرق أبيض" بقيادة "غانتس"، على الاحتفاظ بأجزاء كبيرة من الأغوار ومن الضفة الغربية بإعتبارها مناطق إستراتيجية لحفظ الامن القومي الاسرائيلي. والسؤال المهم هنا، هل فعلاً هذا الإدعاء صحيح؟

يقول هاري بوزان أحد رواد مدرسة كوبنهاجن للأمن القومي أن الادارة الأمريكية بعد أحداث 11 سيبتمبر روجت لفكرة الخطر الارهابي بشكل جعل من مصطلح الإرهاب محدداً رئيسياً في السياسية الخارجية والداخلية الأمريكية. ويتساءل بوزان ساخراً، هل يمكن لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة إنتصرت على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة أن تخشى تنظيماً صغيراً مثل طالبان، أو أن تصوره بأنه العدو الرئيس؟ وبنفس المنطق الساخر أستطيع أن أتساءل، هل تخشى إسرائيل إيران أو حتى الجماعات المرتبطة بها برغم أنها دولة قوية عسكرياً تمتلك اسلحة تقليدية ونووية تفوق القوة العسكرية للدول العربية مجتمعةً إضافةً الى إيران؟ وهل تخشي إسرائيل قدوم قوات معادية عليها من الضفة الشرقية برغم كونها تمتلك صواريخ وقوة جوية مدمرة تغنيها عن إستخدام القوة العسكرية البرية؟ وحتي لو صح أن إسرائيل لا تفضل أي إحتمالية لخوض حرب على جبهتها الشرقية، فإنها تظل تمتلك الامكانات الكبيرة لوضع أنظمة إنذار مبكر وأنظمة الردع، كما أن بإمكانها الاتفاق على وضع قوات دولية على حدودها مع الأردن. وحتي بالنسبة لحمى الإستيطيان التي تستعر في إسرائيل منذ أكثر من عقدين، نتساءل، هل فعلاً إسرائيل بحاجة أمنية الى هذه المستوطنات برغم قوتها العسكرية الهائلة؟ وهل فعلاً تحتاج الى تمزيق الضفة الغربية الى كانتونات صغيرة كما تمت صياغتها في صفقة القرن، برغم أن مدينة صغيرة يمكن إنشاؤها خصيصاً في الأراضي المحتلة عام 1948 يمكن أن تتسع لاجمالي المستوطنين في الضفة الغربية؟ وسيغنيها ذلك عن تكاليف الطرق الالتفافية وعن الحماية الأمنية وغيرها من التكاليف التي لا تحظي بأي منفعة إقتصادية!

جميع هذه الأسئلة مشروعة ومنطقية، وهي تشير الى أن حكومة الاحتلال خلقت هاجس الأمن في مجتمعها الهش من أجل توحيده وتعزيز منعته أمام العدو الخارجي التي خلقته من جهة، ومن جهة أخرى، تسعى إسرائيل من وراء ذلك الى ممارسة الابتزاز على الدول العربية والغربية . في حالة الابتزاز هذه، فإن الإحتلال لا يرادف فقط معنى الأمن، وانما يعتبر أداةً من أدوات السياسة الخارجية الاسرائيلية. والمعني الحقيقي لهذا الابتزاز يكمن في أن وجود الاحتلال الاسرائيلي سيحتم على الدول الاقليمية والغربية المهمة والتي ليس لها مصلحة في إستمرار الاحتلال بإعتباره عامل عدم إستقرار في المنطقة، أن تمتثل لإرضاء إسرائيل من أجل إغرائها بالتوقف عن الاحتلال والضم (سياسة المكافئة)، ولن يكون بإمكان هذه الدول فرض عقوبات على إسرائيل بسبب أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية للمصالح الغربية، وبالضرورة سيكون إرضاءها الوسيلة الأفضل من أجل حثها على التوقف عن الاحتلال. وستكون معادلة الإبتزاز على النحو التالي: الإمتثال للمصالح الاسرائيلية مقابل عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال. وفي اللحظة التي تزداد الضغوط الدولية على إسرائيل لإنهاء الاحتلال، فإن معادلة الابتزاز ستكون الموافقة الاسرائيلية على إنهاء الاحتلال مقابل أن تقوم هذه الدول بدفع ثمن سياسي وإقتصادي باهظ لدولة الاحتلال. الا أن الدول الاقليمية والغربية غير مستعدة لدفع هذا الثمن الى هذا اليوم، خاصة أنها تدرك أن لعبة الابتزاز لن تتيح لإسرائيل الإستمرار بها طالما أصرت الدول الغربية على الإمتناع عن دفع الثمن، لأن منفعة إسرائيل بالإستمرار بها ستكون صفراً. ولهذا لاحظنا مؤخراً تغير مواقف الادارة الأمريكية الديمقراطية من المشهد الاسرائيلي المتعنت من عملية السلام، فهذه الادارة تتحدث عن إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل، كما أنها ترفض الاستيطان، وتدين أعمال هدم المنازل للفلسطينيين، وكأنها تريد من كل هذا أن ترسل رسالةً الى حكومة الاحتلال بأن عليها الآن أن توقف لعبة الابتزاز، لانها لن تقوم بدفع أي ثمن مقابل إنسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة.