حول الخلاف بين التيارات السياسية الفاعلة والمؤثرة في أوساط فلسطينيي ٤٨-

نشر بتاريخ: 13/10/2021 ( آخر تحديث: 13/10/2021 الساعة: 17:16 )

الكاتب:

&

39;*

-حول الخلاف بين التيارات السياسية الفاعلة والمؤثرة في أوساط فلسطينيي ٤٨-

العطب الأيديولوجي:

إذا إعتبرنا "الحركة الإسلامية الشمالية" حركة دينية/إجتماعية أكثر مما هي حركة سياسية، وإذا وضعنا جانبًا أعضاء الكنيست العرب في الأحزاب اليهودية الإسرائيلية، يمكننا عندها القول، مع ما يلزم من التحفظ، بأن هناك اليوم ثلاثة تيارات سياسية فاعلة ومؤثرة في أوساط فلسطينيي ٤٨. هذه التيارات السياسية الثلاثة هي التالية:

أولًا: التيارالسياسي الذي يعطي الأولوية للقضايا والهموم الوطنية الفلسطينية العليا على القضايا والهموم المدنيه/اليومية لفلسطينيي ٤٨ (سمه "التيارالوطني").

ثانيًا: التيار السياسي الذي يعطي الأولوية للقضايا والهموم المدنية/ اليومية لفلسطينيي ٤٨ على القضايا والهموم الوطنية الفلسطينية العليا (سمه "التيارالمدني").

ثالثًا: التيارالسياسي الذي يحاول الموازنة بين القضايا والهموم الوطنية الفلسطينية العليا والقضايا والهموم المدنية/ اليومية لفلسطينيي ٤٨ (سمه "التيارالوطني/المدني").

فإذا كانت "الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة" وكذلك "الحركة العربية للتغيير" تنضويان تحت التيار الوطني/المدني، وإذا كانت "القائمة العربية الموحدة" تنضوي تحت التيار المدني، فإن "حزب التجمع الوطني الديموقراطي" وحركة "أبناء البلد" ينضويان تحت التيارالوطني.

هذه التيارات السياسية الرئيسية الثلاثة تختزل، تواصل أو/وتعدل مسار، تلك التيارات السياسية الأربعة التي سادت خلال الجيل الماضي وسابقًا: التيارالشيوعي/الماركسي، التيارالقومي العربي، التيارالإسلامي/الإخواني والتيارالوطني العام. فرغم الاحتفاظ بالمسميات، فإن الجبهة وعصبها الحزب الشيوعي لم تعد ماركسية كما كانت، والتجمع لم يعد قوميًا عربيًا كما كان، والإسلامية الجنوبية لم تعد إسلامية/إخوانية كما كانت. وحدها الحركة العربية للتغيير ظلت كما كانت، برنامجًا وسلوكًا ورئيسًا. ولأنها ظلت كذلك، فليس من باب الصدفة أنها الأكثر قربًا إلى، وتناغمًا مع، الجبهة هذه الأيام. أقول هذا من باب الوصف والتحليل، وليس من باب التقييم أو التعبيرعن موقف. وإذا سأل &

39; وقال: &
39;، يكون الجواب كالتالي: إن العطب الأيديولوجي الذي أصاب الحركات الثلاث، الماركسية والقومية والإخوانية، مرده لأسباب خارجية غيرخافية: إنهيار الإتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، تداعي كلا المشروعين تباعًا، القومي العربي والإسلامي الإخواني، وتراجع الحركة الوطنية الفلسطينية. هذا &
39; تحديدًا هو ما يفسر تردي أحوال الحركات السياسية الثلاث المذكورة من جهة، وتمحور الخلافات بينها حول ثنائية الليبرالي مقابل المحافظ وثنائية الوطني مقابل المدني من جهة أخرى. للمزيد حول هذه الثنائية المزدوجة حالًا.

ثنائيتا الوطني/المدني والليبرالي/المحافظ:

لقد إشتدت حدة المناكفات بين القائمة العربية الموحدة ومنافستها الفالسطينية، القائمة المشتركة (والتي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير)، قبيل انتخابات شهرآذار/مارس الماضي وبعدها، وبصورة خاصة بعد مشاركة الموحدة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي برئاسة نفتالي بينيت. وقد وصلت حدة هذه المناكفات إلى درجة التخوين من جهة، وإلى درجة التعارض في التصويت في الكنيست على مشاريع قوانين تمس مصالح وهموم المواطنين الفلسطينيين داخل إسرئيل من جهة ثانية. ويسأل سائل من أهلها: كيف ولماذا تحول حلفاء الأمس إلى أعداء اليوم؟ وما كنه هذا العداء المستجد؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نقر بأن التحالف سابقًا لم يكن بحسن وصفاء نية بقدر ما كان أساسًا بدافع المخاوف من عدم تجاوز نسبة الحسم بعد أن تم رفعها إلى 3.25%. كما وعلينا أن نقر، ثانيًا، بأن الانقسام إلى قائمتين وللمرة الثانية كان له علاقة بتصور كل من الجبهة والعربية الموحدة حول الوزن الانتخابي لكل منهما. وفي الحاليتين، التحالف والانقسام، فقد تم كبت النقاش الجدي والمعمق حول القضايا الخلافية ذات العلاقة بثنائيي وطني/مدني وليبرالي/محافظ.

القائمة العربية الموحدة، والحركة الإسلامية الجنوبية عمودها الفقري، تقول التالي بكل وضوح وجلاء: لقد ترشحنا وانتخبنا لنمثل جمهورًا محافظًا، إجتماعيا/فكريًا ودينيًا على حد سواء. كما وتقول بوضوح وجلاء: لقد ترشحنا وانتخبنا لمعالجة القضايا المدنية الجارية والعالقة، خاصة الحارقة منها، لجمهور ناخبينا. وتقول، ثالثًا، وإن كان ضمنا أكثر منه صراحة: القضايا الوطنية الفلسطينية العليا، كما القضايا ذات العلاقة بالعقيدة الإسلامية، يتم علاجها أو التعاطي معها خارج أروقة البرلمان أساسًا. هذا يعني، فيما يعنيه، الفصل النسبي أوالجزئي بين المدني من جهة، وبين الوطني والعقيدي من جهة أخرى. علمًا بأن الفصل الكامل أو المطلق بينهما غير وارد في جميع الأحوال.

هذه المواقف/ المنطلقات التي تتبناها الموحدة وتروج لها تحت شعار &

39; تضعها في صدام مباشر مع الحركات السياسية التي تنضوي تحت القاتمة المشتركة، تلك الحركات السياسية التي ترفض صراحة أولوية المدني على الوطني، تمامًا كما ترفض المساومة على التزاماتها أو نزعاتها الليبرالية اجتماعيًا وفكريًا (تلك الالتزامات أوالنزعات التي تتفاوت بدورها من حيث الدرجة أو الحدة من حركة سياسية لأخرى). وفي المقابل، فإن هذه المواقف/ المنطلقات تفسر، وإلى حد بعيد، انجذاب القائمة العربية الموحدة نحو أحزاب اليمين الإسرائيلية، ذلك الانجذاب الذي توج أخيرًا بمشاركتها في ائتلاف حكومي يرأسه اليميني نفتالي بينيت، والمعروف بعدائه لفكرة ومشروع الدولة الفلسطينية ذات السيادة.

إنقسام مجتمعي:

مواقف/منطلقات القائمة العربية الموحدة كانت معروفة ومعلنة قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة في آذار/مارس الماضي. ورغم ذلك، أو بفضل ذلك، حصلت القائمة على أربعة مقاعد في البرلمان، أي أكثرمن مقاعد أي حزب من أحزاب القائمة المشتركة المنافسة. ماذا يعني ذلك؟ وما هي دلالات ذلك؟ هناك، في إعتقادي، انقسام سياسي/مجتمعي بين فلسطينيي الداخل علينا أن نأخذه بالجدية والمسؤولية اللازمتين. ولهذا الانقسام السياسي/المجتمعي خلفيات وتجليات علينا استقصاء أبعادها. الخلفيات لها علاقة بتردي أحوال الحركة الوطنية الفلسطينية عمومًا، كما لها علاقة، كما أسلفنا، بابتعاد الحركات السياسية لفلسطينيي الداخل عن منابتها الأيديولوجية (وفي حالة القائمة العربية الموحدة، الابتعاد عن المنبت الإسلامي/الإخواني تحديدًا). أما التجليات فلها علاقة بالأمرين الواضحين والمميزين اللذين أشرنا إليهما سابقًا: المحافظ مقابل الليبرالي والوطني مقابل المدني. بكلمات أخرى، القاتمة العربية الموحدة تنادي بالمجتمع المحافظ دينيًا واجتماعيًا/ فكريًا، وهناك من يسمعها، وتنادي بأسبقية القضايا المدنية العالقة، خاصة الحارقة منها، على القضايا الوطنية الفلسطينية العليا، وهناك من يسمعها أيضًا. ولأن الأمر كذلك، أي لأن لها جمهورًا عريضًا من المؤيدين والمتعاطفين، فلا يجدي كثيرأ إتهامها بالانحرافين، السياسي/الوطني والأخلاقي، وهذا ما يفعله للأسف قياديو الجبهة والتجمع وأبناء البلد وآخرون. الرد الواجب والمناسب على تحدي الموحدة، قيادة وجمهور ناخبين ومتعاطفين، يجب أن يكون، في رأيي، بالاتجاه المبين أدناه.

الرد على التحدي:

الرد المناسب والواجب على تحدي القائمة العربية الموحدة يكون من خلال رسم، أو إعادة رسم، حدود الإجماع الوطني لفلسطينيي ٤٨، والذي يجب أن يؤكد، في رأيي، على المبادئ التالية:

أولا: إحترام التعددية في المجتمع. وهي تعددية حزبية/سياسية واجتماعية/ فكرية/دينية في ذات الوقت.

ثانيًا: تصعيد النضال من أجل المواطنة الديموقراطية المتساوية في الحقوق، الحقوق الفردية/المدنية والجمعية/القومية على السواء.

ثالثًا: التأكيد على عدم جواز الفصل بين الوطني والمدني، أو، قل، عدم التسليم بأسبقية الواحد منهما على الآخر، صراحة أو ضمنًا.

رابعًا: تصعيد النضال من أجل صون هوية الإنسان والمكان في هذا الجزء من فلسطين.

خامسًا: التأكيد على أن فلسطينيي ٤٨ جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية الأوسع، متأثرين بها وفاعلين فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذا الجزء وما يترتب على ذلك من محددات والتزامات.

وختامًا، بولوجها عتبة المشاركة في ائتلاف لحكومة إسرائيلية يرأسها رئيس حزب يميني يتنكر جهرًا للحقوق الوطنية الفلسطينية، وبفصلها الضمني بين الوطني والمدني وإعطاء الأسبقية للثاني على الأول، تكون القائمة العربية الموحدة قد إخترقت حدود الإجماع الوطني لفلسطينيي ٤٨ (كما حاولت رسمها أعلاه). ولمن يعتقد، مثلي، أنها تكون بذلك قد حادت عن طريق الصواب أقول: المناكفات لا تردع، والاتهامات بالتفريط لا تجدي نفعًا؛ عليك أن تعرف، وبالحوار العقلاني، المتروي والمتواصل، كيف تكون "دليل الحائرين"!

سعيد زيداني

أستاذ الفلسفة (متقاعد)