ما كتبه د. عدوان نمر عدوان في رثاء د. سعيد عياد

نشر بتاريخ: 16/10/2021 ( آخر تحديث: 16/10/2021 الساعة: 18:09 )

الكاتب:

د.عدوان نمر عدوان

مرثية زميلي وصديقي سعيد عياد يا سعيد هل جاء الوقت لتغادر وتقول على الأرض السلام ؟ يا سعيد الأنيق هل يحق للقنديل أن يطفئ نفسه وهو في أوج إشعاعه؟ لقد خدعتنا يا سعيد، خدعت رفاقك في الدرب، وتركتنا على قارعة التاريخ مذهولين، فبمن سنقاتل وقد غاب سيفنا البتار؟ وبمن سنستضيء وقد غاب القنديل؟ وبمن سنعزف وقد غاب الناي؟ لا يحق لك يا سعيد أن تغادر هكذا بلا رحمة مشاعرنا وأحاسيسنا، وأنت الذي كنت تنظّر علينا بالقتال والسجال، لا يحق لك أن تغادر وأنت من كنت ترتل علينا أساطير الوفاء. سعيد أيها القبطان لم تعد بعد هذا التعسف قائد مركبنا، فلا يحق لقادة المراكب تركها والقفز في المياه لا يحق لهم أن يغرقوا قبل مراكبهم التي تمخر البحار. سعيد أيها الإنسان يقولون إن الوفاء للراحلين يكون باقتفاء سيرتهم، لكن يحق لنا الآن بعد أن رحلت فجأة، وتركتنا مفجوعين أن نخالفك، وأن نتخلى عن سلاح المحبة الذي كنت تنزله علينا ليل نهار. سعيد أيها المفكر يحق لنا أن نرمي الأرض بمبدأ الثورة على الثورة الذي صدعت رؤوسنا به أثناء تجوالنا في حديقة جامعة بيت لحم؛ لأنه لم يعد له ضرورة وقد مات معلمه ومهلهله وحامل لوائه، يحق لنا أن نكره المغرب الذي كان به هواك ، يحق لنا أن نكره الجابري والعروي وسابيلا وباقي من كنت تعتقد أنهم ممن تبقى من أولياء. سعيد أيها الدكتور لقد قلبت برحيلك سعادتنا في دخول دائرة اللغة العربية في بيت لحم إلى جحيم، فكيف لنا أن ندخل مبتسمين وكنت أنت البشوش سيد المبتسمين؟! فإن دخولنا فرحين خيانة لضمائرنا الباقية في أحشائنا . سعيد ماذا ستقول لطلابك الذين تركتهم تائهين دون أن تعلمهم بعد فن الحرب على أكمل وجه؟ وأنت تدرك أن نصف العلم أخطر من جهله، ونصف الحب أسلم من عدمه، ونصف الرجولة أنقص من عدمها، وأنت الذي كنت دائما سيفا لامعا تكره الأنصاف، تكره نصف العلم، ونصف الوفاء، ونصف البشاشة، ونصف العمل ونصف الوطنية، أيها السامي للكمال، كيف لك أن تتركنا منبتّين في نصف الزمان؟ سعيد لم يعد يجيب على التلفون، سعيد الذي كنت أحادثه ساعة على التلفون أجابني بتثاقل أول مرة، ثم كتب لي رسالة عندما اتصلت مرة ثانية اطمئن عليه بأنه لا يستطيع الكلام، كيف انتقلت يا سعيد في هذا العالم اللازوردي من الكلام إلى الكتابة إلى الصمت إلى العدم؟ وهل تنعكس في العالم الأبيض الحكاية؟ سعيد الذي كان يجيب على الإيميلات توقف فجأة، ولم يترك إجابات، ترك الدنيا سريعا كورقة مزعها القدر وتركها للرياح، فكيف لمن جاء بعدك أن يستكمل همة سيف الدولة، وقد عجزت عن مشاريعك الجيوش الخضارم؟ فبين الكتاب والكتاب كتاب، وبين الندوة والندوة ندوة، وبين العقل والعقل عقل، وبين العاطفة والعاطفة عاطفة، وبين البسمة والبسمة بسمة. سعيد موتك خدعنا كنا نظن أنك خالد فإذا بنا نكتشف أنك بشري من لحم، وكيف لنا أن لا نلحظ من وجهك الأرجواني أن دمك الأكثر حمرة وبشرية فينا؟ وكيف يا سعيد لفايروس قميء أن يقتل أسدا في عرينه أعلن في كل مؤسسة عمل بها على محاربة الجهل، ومحاربة كل ما يتعلق بالمحتل ووحوشه الضاريات ؟ سعيد لقد وعدتني أن تأتيني سهرة كما أتيت سابقا، وقلت لي: اجمع الأصحاب. لكن وعدك كان الهباء، وأبقيت لنا طيف زيارتك الأولى جالسا على الأرجوحة متوثبا للأمام، فهل كنت أيها الجميل تستكثر علينا تكرار الجمال؟ ألا نستحق كرما آخر وأنت ينبوع للشاربين والملهوفين أم هو مكر الحبيب على الحبيب؟ سعيد أيها الطاهر النقي السيد المفكر البشوش الكريم المتحمس الوطني المتنور القنديل السيف لن نستوعب في نابلس سماء بيت لحم دون شمسها، نعم برحيلك رحلت شمس عظيمة، وحل في بيت لحم وفلسطين وفي قلبي ظلام، لقد ذبحنا موتك واحترق كبدي، ونالتني خناجر في غيرك ما كانت تنال، فلم يحن يا سعيد بعد ودون سابق إنذار أن تحمل حقائبك الجلدية وتغادر حتى دون أن تقول السلام .