هندسة تخطيط طرق المستوطنات في محافظة سلفيت

نشر بتاريخ: 26/10/2021 ( آخر تحديث: 26/10/2021 الساعة: 09:35 )

الكاتب:



عمر السلخي

التخطيط الإقليمي الإسرائيلي تناول بالدراسة والبحث وضع المخططات اللازمة لحركة الاستيطان في ضوء التخطيط القومي الإسرائيلي وتوجيهاته لكل إقليم ، ويشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية على مستوى الإقليم، حيث يتعرض بدرجة أكثر تفصيلاً من التخطيط القومي لتوزيع التجمعات العمرانية الحضرية والريفية ومن ضمنها المستوطنات وأحجامها ووظائفها وتوزيع السكان واستعمالات الأرض حالياً ومستقبلاً .
تخطيط المستوطنات ومحاصرة التجمعات في محافظة سلفيت:
هدفت السياسات الاسرائيلية إلى الضغط على البلدات والقرى في محافظة سلفيت لتصبح جيوباً صغيرة "كانتونات مغلقة" وسط المحيط الاستيطاني المتمثل في المستوطنات التي تعتلي قمم الجبال ، والتي تتوزع بطريقة " الانتشار مع التركيز " فهي تنتشر في جميع اراضي المحافظة وتتركز بمحاذات البلدات والقرى في المحافظة بهدف مزاحمتها وخنقها متخذة مواقع تشرف على هذه التجمعات او على طرق رئيسية تربط بين التجمعات الفلسطينية لتحد من التواصل الجغرافي بين البلدات ومنع التواصل فيما بينها مثل مستوطنة ارئيل التي تقع شمال مدينة سلفيت وغربها متخذة موقع مشرف على مركز المحافظة وتحد من توسع المدينة وتعزلها عن المحيط مثل كفل حارس وباقي التجمعات.
ولأن المستوطنات في المخطط القومي والإقليمي الإسرائيلي هي نواة لمدن مستقبلية، وهي مناطق جديدة لم يسبق فيها العمران فقد تم تخطيطها على أساس تخطيط المدن والقرى الحديث، أي تخطيط شبكات الطرق والصرف الصحي والمياه والكهرباء للمناطق التي ستقام عليها المستوطنات أولاً، ثم تقوم المجالس المحلية بالتخطيط المحلي والتنفيذي أي تخطيط المستوطنات من الداخل، مع الاخذ بعين الاعتبار شبكة الطرق والنقل والمرور الإقليمي الذي يربط بين التجمعات العمرانية ومن ضمنها المستوطنات، وأحجام المرور الحالية والمتوقعة على الشبكة الإقليمية.
تخطيط شبكات طرق المستوطنات الإسرائيلية في محافظة سلفيت:
لقد واجه التخطيط الهيكلي للمستوطنات في محافظة سلفيت مشاكل وصعوبات كثيرة، ووجد المخطط الإسرائيلي نفسه أمام معضلات لابد من مواجهتها بتخطيط يتميز بالمرونة والقدرة على التكيف مع واقع المحافظة التخطيطي والعمراني والديموغرافي.
فمع بداية الاحتلال الإسرائيلي للمحافظة عام 1967م وضع الاحتلال يده على معسكر كان للقوات البريطانية ثم للجيش الأردني تم تحويله كنقطة عسكرية (ناحل) في منطقة جبل الحلو ومساحته خمسون دونمًا،غرب قرية مسحة والذي اصبح اول مستوطنة مدنية تقام على أراضي المحافظة عام 1977، أطلق عليها مستوطنة "الكانا"، وهي بداية لسلسلة من المستوطنات التي كان يخطط لإقامتها على الخط الأخضر؛ بهدف إقامة ترس بشري عازل بين الضفة الغربية وباقي أرض فلسطين المحتلة عام 1948م.
ان واقع المحافظة وضع عراقيل أمام المخطط الإسرائيلي ومن هذه العراقيل: وجود التجمعات العمرانية الفلسطينية (أكثر من 18قرية وبلدة ) موزعة على اراضي المحافظة وتركز السكان فيها اضافة الى انتشار حقول الزيتون المزروعة وقلة الاراضي الحكومية حيث ان معظم الاراضي تعود الى ملكيات خاصة ، و صعوبة ملائمة شبكة طرق المستوطنات مع شبكة الطرق القائمة لخدمة التجمعات الفلسطينية.

نموذج شبكة طرق المستوطنات في محافظة سلفيت: وأمام هذه المشكلات اختار المخطط الإسرائيلي نموذج الأفرع والشبكة لتخطيط شبكة طرق المستوطنات (Road Network Patterns)، فمن تحليل هذه الشبكة تم التعرف على هذا النموذج، ويوجد 3 نماذج لشبكات الطرق لتخطيط المناطق وهي:

نماذج شبكات الطرق

- نموذج الأفرع (Branching Patterns): ويشبه أفرع الشجرة التي لها أفرع غليظة تمثل الشوارع العريضة للكثافة المرورية العالية، وأفرع رفيعة تمثل الشوارع الأقل اتساعاً للكثافة المرورية الأقل, ويستعمل هذا النموذج للطرق ذات النهايات المغلقة (Dead End Branching Patterns) لتخطيط الخلايا السكنية للحد من حجم المرور فيها.
- نموذج الشبكة (Grid Pattern): وهو شبكة طرق ذات عروض مختلفة، وينشأ عن تقاطعها ميادين دائرية أو مربعة أو مستطيلة أو مثلثة تمهد لدخول السيارات أو المشاة في الطرق الأخرى الملتقية معها وعند تغيير المسار.

- نموذج الأفرع والشبكة (Branching And Grid Patterns): وهو خليط بين النموذجين السابقين، وتم تطبيق نموذج الأفرع والشبكة في مجمع المستوطنات المقامة على اراضي محافظة سلفيت ويظهر هذا التطبيق في وجود شارع رئيسي (شارع عابر السامرة ) تتفرع منه شوارع مداخل المستوطنات المختلفة.
ويستعمل لتنمية موقع كبير (أكثر من 500 منزل)، فنموذج الأفرع للشوارع يسهل الوصول للتجمعات السكانية، والنموذج الشبكي يسهل دخول السيارات للتجمعات السكانية الرئيسية، ومزج النموذجين يحقق مزايا كل منهما لفائدة تصميم شبكة شوارع الموقع العام.
يتضح أن نموذج (الأفرع والشبكة) هو الأنسب لظروف وواقع محافظة سلفيت ، فشبكة طرق المستوطنات تتبع التخطيط العنقودي الذي يتكون من شريان رئيسي تتدلى منه طرق فرعية تنتهي بالوحدات السكنية بشكل عنقودي ويوفر حماية أفضل للمستوطنة لأن إقامة نقطة تحكم واحدة عند مدخل المستوطنة المؤدي للتجمع السكني وعند التقائه بالشريان الرئيسي تكون كافية للمراقبة، وهذا يظهر بشكل واضح من خلال الشارع الرئيس المسمى عابر السامرة ، واقامة الدوار على مدخل مستوطنة ارئيل ، ونقطة التفتيش على مدخل المستوطنة والطرق الفرعيه التي تخدم الوحدات السكنية داخل المستوى ، وهذا مثال ينطبق على معظم المستوطنات المقامة على اراضي المحافظة.

أسباب اختيار نموذج الأفرع والشبكة في تخطيط طرق المستوطنات في محافظة سلفيت:
مساحة الأراضي التي استولت عليها إسرائيل وخصصتها لإقامة المستوطنات هي مساحات كبيرة وقد بلغت المساحة المخصصة لبناء المستوطنات عام 2008 حسب قاعدة بيانات وحدة - GIS اريج ، حوالي 20 كم مربع وهذا يشكل حوالي 10% من مساحة اراضي المحافظة الاجمالية وهي ضعف مساحة البناء المخصصه للتجمعات الفلسطينية، ولكن المساحات المخصصة للاستيطان مبعثرة في مناطق محاطة بالتجمعات العمرانية الفلسطينية، وعليه فإن هذا النموذج يعطي أفضل حل لهذا الوضع لأنه عن طريق الفرع الرئيسي يستطيع أن يتجول داخل المحافظة حتى إذا وجد منطقة يمكن إقامة مستوطنة عليها أخرج فرعاً ثانوياً لها ثم استمر في تجواله، ويشبه هذا الثعبان الذي يزحف حتى إذا وجد جحراً أو ثغرة دخل فيها وكون لنفسه بيتاً.
وعليه يمكن استخلاص الأسباب التي أدت بالمخطط الإسرائيلي إلى اختيار نموذج الأفرع والشبكة:
- لأنه يوفر الحماية والأمن أكثر من الأنواع التخطيطية الأخرى ويسمح بوجود مدخل واحد للمستوطنة يتحكم في مداخلها ومخارجها مما يحقق الأمن والحماية لها.
- لأنه أكثر أنواع تخطيط الطرق مرونة وتكيف مع واقع المحافظة يقسمها الى مجموعات سكانية متفرقة لإرغام سكانها على الهجرة إلى مناطق أخرى أو إلى الخارج .
- لأنه يحقق تطويق التجمعات العمرانية الفلسطينية بشبكة لطرق لا يسمح للفلسطينيين باستخدامها، وبالتالي خنق هذه التجمعات والتحكم في نموها وامتدادها العمراني.
- لأنه يسمح بوجود شريان رئيسي واحد للوصول إلى كل المستوطنات مما يسهل الحركة وسهولة الحماية بتسيير دوريات الأمن لحراسته بكميات وأعداد أقل.
- لأنه يقلل عدد الحواجز العسكرية على الطرق لمراقبة مرور الفلسطينيين.
- لأنه يسهل توصيل الخدمات (شبكات المياه والكهرباء.. إلخ) وذلك بوضعها في محاذاة الطريق الرئيسي وبذلك يمكن حمايتها من الفلسطينيين
- لأنه يقسم المحافظة إلى " مربعات امنية " يسهل السيطرة عليها في حال وجود احداث ويجعل من التجمعات الفلسطينية جيوباً معزولة عن بعضها.
- ربط طرق المستوطنات بشبكة الطرق الإسرائيلية لأن هذا النوع من تخطيط الطرق يمكنه تجاوز أي تجمع سكاني فلسطيني في امتداده للالتقاء بشبكة الطرق الإسرائيلية.
وتتصل المستوطنات ال 24 المقامة على اراضي محافظة سلفيت فيما بينها بشبكة طرق داخلية، وثلاث طرق رئيسية تربطها مع إسرائيل عمودها الفقري شارع عابر السامرة من خلال كفر قاسم ومدخل قلقيلية للمستوطنات الشماليه المقامة على اراضي ديراستيا ومدخل رنتيس للمستوطنات الجنوبية المقامة على اراضي ديربلوط وكفرالديك وبروقين.
شبكة طرق المستوطنات اداة احلال
شكلت شبكة الطرق للمستوطنات أداة لنهب الأراضي بشكل مباشر، واقتلاع لاشجار الزيتون، وتغيير تضاريس ومعالم الأرض في المحافظة وقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات السكانية الفلسطينية ببعضها وعزل تلك التجمعات عن اراضيها ومنع البناء والاستخدام في ارتداداتها الامنية التي تصل الى 80 م بمحاذاة تلك الطرق، وبالتالي فان شبكة الطرق احد الكرائز المهمة التي تعمل على تحسين حركة المستوطنين وتقييد حركة الفلسطينيين، وتغول المشروع الاستيطاني، وسهلت على المستوطنين التنقل بين طرفي الخط الأخضر، وساعدت في الوصول إلى المناطق الصناعية، وسهلت حركة تنقل البضائع الاسرائيلية ، وشكلت اداة ضغط بهدف التضييق وتهجير الفلسطينيين.