حوار الجزائر بين المغالبة والتبادلية

نشر بتاريخ: 19/01/2022 ( آخر تحديث: 19/01/2022 الساعة: 12:42 )

الكاتب: د. رائد نجم

ساهمت عوامل مختلفة في حدوث الانقسام واطالة أمده والحيلولة دون إتمام المصالحة، ولعل اول هذه العوامل هو الاختلاف الفكري بين الوطني والإسلامي، بين الهوية الفلسطينية والايديولوجيا الدينية، بين رؤية الدولة الديمقراطية التعددية لكل مواطنيها والدولة الثيوقراطية، بين التقدمية والماضوية، بين دولة الحكم بمقاصد الشريعة ودولة الحكم الجامد بنصوص الشريعة وتأويلاتها التي تخدم حكم الجماعة.

ربما ثانيها هو اختلاف البرامج والاليات والأدوات، بين برنامج يرى ان كل الجهود والتضحيات من أجل فلسطين الأرض والشعب والمقدسات، ومشروع الإسلام الاممي الذي يرى في فلشظين جزء من كل، وقضية مثل قضايا أخرى، وذخر يجب ان تمتلكه الجماعة للاستقطاب وتحريك الشارع الإسلامي والمناورة، بين من يرى بتوظيف بانوراما واسعة من المقاومة ومن لا يرى الا لونا واحداً حتى لو كانت العوامل الموضوعية لا تسمح.

غياب ثقافة تداول السلطة بالطرق السلمية الديمقراطية نظراً لموروثات ثقافية أظهرت ميلاً لاستخدام القوة من اجل تداول الحكم، وصراع على السلطة مرتبط بأجندات حزبية وارتباطات خارجية، وغياب الوحدة الجغرافية التي تمكن من خلق حركة جماهيرية ضاغطة بين غزة والضفة لإتمام المصالحة. كذلك عقلية التقاسم والمحاصصة والإصرار على نقلها الى المؤسسات السياسية الممثلة للشعب الفلسطيني دون تحقيق وحدة حقيقية على المستويات الأدنى تستند الى سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، والتي تعود الى حالة عدم الثقة التي أوجدها الانقسام.

العلاقات الخارجية وتأثيراتها عامل إضافي ترك أثره على المشهد السياسي الفلسطيني، فبينما ينسق طرف المواقف مع العرب وجامعتهم نظرا للتاريخ والجغرافيا والسياسة والمصير ويتكامل معهم، فان الطرف الثاني ينسق مواقفه وسياساته مع أطراف غير عربية لها اجنداتها ومصالحها الخاصة توظف البطاقة الفلسطينية في إطار تحقيقها. كذلك اختلاف الأولويات بين الأطراف، حيث يرى طرف بأولوية تشكيل حكومة وحدة وتمكينها وفقاً لاتفاق 2017 ثم تتولى الحكومة معالجة باقي الملفات، ويرى طرف اخر بإعطاء الأولوية لتشكيل إطار قيادي يتولى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. وتشير تجارب المصالحة ان تمكين الحكومة دائماً ما يتم افراغه من مضمونه عملاً بمبدأ أسست له حماس وهو تركنا الحكومة ولكننا لم نترك الحكم.

هناك كذلك قيود تفرضها أطراف خارجية على رأسها الاحتلال الإسرائيلي الذي يريد تأبيد الانقسام ويسعى لتروجيه دولياً كبديل لدولة فلسطينية على حدود 1967 فيقابل برفض دولي، ويستخدمه للتهرب من الاستحقاقات والاتفاقيات بحجة عدم وجود شريك فلسطيني. ويعمل الاحتلال على ادامة الانقسام من خلال ضمان بقاء حكم حماس وتمويله بدولارات قطر، وعند أي انفراج يعود ليتهم السلطة بالتقارب مع قوى الإرهاب، وإذا زاد التقدم نحو حكومة وحدة يطالب بالاعتراف بإسرائيل ووقف الإرهاب، والموافقة على شروط الرباعية الدولية، وتفكيك سلاح الفصائل، وإعادة الجنود. وإذا قرر الفلسطينيون الذهاب الى الانتخابات يعيقها بوضع فيتو على اجرائها في القدس ومناطق سي.

ليس بعيداً عنها شروط الرباعية الدولية التي تشترط الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة والتخلي عن العنف، وهي شروط ترفض الفصائل الاعتراف بها ووضعها على مائدة الحوار، ولكن هذه الشروط تستمد أهميتها من وضع الاعتراف بها اساساً للتعامل مع أي حكومة فلسطينية ومع أي مبادرة سياسية دولية. كذلك تفرض اتفاقيات السلام قيودها على المصالحة حيث يطالب الفلسطينيين بالالتزام ويتم ابتزازهم عند محاولات التحلل منها، بينما ينتهكها الاحلال بشكل منهجي على كل الأصعدة فتصبح استراتيجية التعامل مع الخروقات محل خلاف، وتمتد الى صناعة قرار الحرب والسلام حيث تستأثر بعض الفصائل بقرار الحرب، بينما ترى م ت ف انها صاحبة قرار السلام بصفتها الطرف المتعاقد في اتفاقيات السلام والطرف المعترف به ممثلاً للشعب الفلسطيني، والطرف الحائز على الشرعية العربية الى جانب الشرعيتين الشعبية والثورية التي تتمتع بهما. كما ان فشل مسار السلام برمته يمثل قيداً اخراً اذ يوفر أسباب لعدم استقرار وانضباط المشهد الفلسطيني في سلطة واحدة تبسط سيادتها، بقانون واخد وسلاح واحد، وذلك بسبب بقاء الاحتلال.

لا يغيب عن اصغر فلسطيني أهمية إتمام المصالحة في ظل انسداد الأفق السياسي امام خيار التفاوض بسبب تنكر إسرائيل لكل الاتفاقيات، ومثله خيار المقاومة الذي قاد الى أربعة حروب لم تقدم إنجازات سياسية او اقتصادية، وأصبحت مسقوفة بالتفاهمات وبمعادلة الأمن مقابل الاقتصاد. وتبرز الحاجة لمواجهة مخططات الاحتلال وجرائمه في ظل زيادة العدوان على الفلسطينيين وارضهم ومواردهم ومقدساتهم وإرهاب الدولة والتطهير العرقي والتمييز العنصري والتمدد الاستيطاني والحصار الاقتصادي وسرقة الأموال. وتتعزز أهمية المصالحة مع غياب أي جهد دولي حقيقي نحو احداث تقدم سياسي في ظل انحياز امريكي مستمر لرؤية الاحتلال، واستمرار مسار التطبيع الذي لم يخدم في الضغط على الاحتلال بل على العكس أسقط مبدأ الأرض مقاب السلام واخترق قرار الاجماع العربي، وانتهك حل الدولتين لصالح دولة فصل عنصري بنظامين. ولا يغيب عن هذه الجولة العامل الجزائري فدور الجزائر تاريخياً داعم للشعب الفلسطيني وقضيته بالمعونات والخبرات، ومن على ارضه أعلنت وثيقة الاستقلال عام 1988، ولا يوجد للجزائر اجندة خاصة غير تقديم موقف موحد امام القمة العربية بشأن ما يريده الفلسطينيون.

تتباين الرؤى بشأن الخروج من مأزق الانقسام فهناك من يطالب بإعادة إطلاق مسار المصالحة من حيث انتهى واجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والوطنية على التوالي وإيجاد حل لمسألة عقدها في القدس. وهناك من يرى بالعودة اولاً الى ملف اصلاح م ت ف واجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني كخطوة أولى ثم الاتفاق على برنامج سياسي ثم اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وهناك الرؤية المبنية على اتفاق عام 2017 بتشكيل حكومة وحدة وطنية وتمكينها ثم الانتقال لمعالجة ملف الانتخابات.

من بين هذه الرؤى المتعارضة يتضح ان حماس صاحبة رؤية ملف اصلاح المنظمة أولاً انما تتجاوز اتفاق 2017 الذي وقعت عليه ثم رفضته، فاتجه الرئيس لخيار بديل اخر تمثل في الإعلان عن اجراء الانتخابات كمخرج وتم التوافق على ذلك في إسطنبول رغم عدم تمكين الحكومة، واعادة السيطرة على المعابر وإخراج الامن الوطني التابع للسلطة منها، الا ان إسرائيل منعت اجراء الانتخابات في القدس. ان الإصرار على منطق المحاصصة وتعظيم المكاسب سيبقي الأمور تراوح مكانها، فرؤية ملف م ت ف أولًا تعني إبقاء السيطرة على غزة فعلياً في تشابه مع حالة حزب الله اللبناني، وتعظيم هذه المكاسب بالحصول على تمثيل في مجلس تشريعي منتخب، وبتمثيل في مؤسسات م ت ف أي نقل الانقسام للمؤسسات التمثيلية دون معالجة أسباب الانقسام في المستويات الأدنى من خلال تمكين الحكومة من فرض سيادتها الكاملة وإعادة هيكلة جهازها المدني، وتوحيد مؤسسات القانون حتى تتمكن من تحقيق العدالة الانتقالية بقانون واحد، وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية في سلاح واحد تأسيساً لتداول السلطة بالوسائل الديمقراطية السلمية. وهذا يعمل لصالح الجميع ويرفع أي فيتو محتمل على المصالحة ويؤهل حماس لتكون شريكاً في النظام السياسي.

العمل وفق رؤية تسجيل اعلى النقاط واستبعاد الشراكة ومفهوم الوحدة الحقيقية من خلال حصة في المجلس التشريعي وحصة مؤسسات م ت ف مع إبقاء السيطرة على غزة يعني ان النوايا هي استكمال السيطرة على النظام السياسي، وربما تكرار تجربة غزة باستخدام الانتخابات لمرة واحدة، وسيكون خيار الهدنة المطولة مع الاحتلال حاضراً في تكرار لتجربة تفاهمات غزة الامن مقابل الاقتصاد، ولكنه لن يكون كافياً لوقف عدوان الاحتلال المستمر والتوسع الاستيطاني وتهويد القدس مما سيستدعي رداً، وهذا يعني ان الاحتلال سيعود الى سياسة الردع والحصار والمواجهة الشاملة، وقد يعمل على الدفع نحو انهيار مؤسسات السلطة لصالح هندسة اجتماعية سياسية جديدة تحول الضفة الى كانتونات معزولة تحت احتلال دائم.

قد تكون الفرصة في تقديم معالجة تستند الى التبادلية لا الى المغالبة تقرب المواقف وتؤسس لخطوات متبادلة متزامنة لبناء الثقة من قبل كل الأطراف بحيث يقابل التمكين الفعلي للحكومة وفق اتفاق يحدد مفهوم التمكين وفي المقابل يتم الشروع في خطوات على مسار ملف م ت ف.