الإثنين: 15/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

حضور وجهة النظر الفلسطينية بموضوعية وصراحة

نشر بتاريخ: 05/06/2023 ( آخر تحديث: 05/06/2023 الساعة: 00:57 )

الكاتب: تحسين يقين

تابعنا مؤخرا خطابين فلسطينيين واضحين، الأول هو خطاب السيد الرئيس مؤخرا في الأمم المتحدة، بمناسبة نكبة فلسطين، والثاني للدكتور سلام فياض رئيس الوزراء الأسبق، والذي جاء في سياق ندوة معهد بيكر بمناسبة التأسيس غير الشرعي لدولة إسرائيل. والجامع المشترك بين الخطابين هو التعبير عن الرواية الفلسطينية من جهة، ونقد المشروع الصهيوني كمشروع كولينيالي أمام العالم في الأمم المتحدة من جهة، وفي المعهد المذكور، عقر اللوبي المؤيد لإسرائيل من جهة أخرى.

بعد أن شكرا الرئيس القرار الأممي غير المسبوق بإحياء الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة الفلسطينية، راح يذكر أمم العالم بزيف الرواية الإسرائيلية، وصولا الى مطالبته الشجاعة، "بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، لا سيما وأنها لم تفِ بالتزامات قبول عضويتها في منظمتكم الموقرة. (رسالة وزير خارجية إسرائيل موشيه شاريت للجمعية العامة بتاريخ 29 نوفمبر 1948 التي تعهد فيها باحترام القرارين 181 و194 وتنفيذهما) وللآن لم يتم ذلك.

كذلك، وبصراحة، وجه نقد فلسطين لبريطانيا وامريكا، واصفهما بدولتي استعمار، وساخرا من وعد بلفور: "والحقيقة أن وطننا التاريخي فلسطين لم يكن يوماً أرضاً بلا شعب، حتى يعطى ظلماً وعدواناً لمن زعموا أنهم شعب بلا أرض، فلقد عشنا نحن فيها آلاف السنين، منذ أن عمرها أجدادنا العرب الكنعانيون قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبنينا فيها حضارة إنسانية، ولم ينقطع وجودنا الجماعي الخلاق فيها يوماً منذ أن عمَرناها. كيف تكون فلسطين أرضاً بلا شعب وهي التي كانت من أكثر مناطق الهلال الخصيب والمشرق العربي تحضراً، تزخر بالحياة والتطور والثقافة والعمران، لقد كان في مدينة يافا وحدها، على سبيل المثال، عشرات المكتبات ودور النشر والصحف ودور السينما".

كما انتقد بلغة السخرية أيضا تحريض وزراء في الحكومة الإسرائيلية، ليوضح للعالم أن حكومات إسرائيل غير مسؤولة فعلا.

أما دكتور سلام فياض رئيس الوزراء الأسبق فقد حاجج بقوة وصراحة، منطلقا فعلا من الثوابت الوطنية الموضوعية، سواء في توصيف الحالة الفلسطينية بعد حرب عام 1948، أو في توصيف إسرائيل، أو توصيف علاقة إسرائيل المحتلة مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل مشاركته في المؤتمر الذي نظمه يوم الخميس الفائت (٢٧ /٤) معهد بيكر في جامعة رايس في الولايات المتحدة تحت عنوان " إسرائيل في الخامسة والسبعين". حيث اختار دكتور فياض المشاركة وفقا لما ذكره "من منطلق الحرص على ألا تغيب وجهة نظر فلسطينية في مؤتمر تقييمي لمسار اسرائيل عبر السنوات الخمس والسبعين الماضية، والتي كانت حتماً ستكون غائبة باستثناء إشارات غير ذات شأن من قبل بعض المشاركين لضرورة إحياء ما يسمى جزافاً بعملية السلام، أو ما شاكل ذلك".

توصيف أصول الصراع:

- "سنوية اسرائيل الخامسة والسبعون هي الذكرى السنوية الخامسة والسبعون للنكبة، والتي ستظل جرحاً نازفاً إلى أن ينال شعبنا حقوقه كافة."

- الحديث عن استئناف عملية السلام والعودة إلى طاولة المفاوضات لا معنى له. إذا كان هناك من عبرة يمكن استخلاصها من التجربة، فإنها تكمن في أن أي عملية سلام لا تبدأ بالاستناد إلى الإقرار الرسمي من قبل اسرائيل بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني كما عرفتها الشرعية الدولية هي عملية محكومة بالفشل. ولكي أكون في منتهى الوضوح، نحن شعب، ولا أقول ذلك رداً على ما قاله عضو في الحكومة الإسرائيلية الحالية مؤخراً، وإنما على خلفية سياسة قائمة منذ ما قبل البدايات تُنكر وجودنا كشعب. وإننا كشعب يجب الإقرار بحقنا في تقرير المصير. لا مساومة على ذلك. كما يجب أن يكون واضحاً على أننا نصر على الإقرار بحقنا في العودة. في الوقت الذي يتم فيه الإقرار بحقنا في العودة وحقنا في تقرير المصير، بما يشمل الحق في دولة مستقلة كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة في عام ١٩٦٧، بما يشمل القدس، عندها فقط تتهيأ الظروف المواتية لنجاح الجهد السياسي.

- "لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يوماً إلا اضطهادياً، ولن يكون إلا كذلك. وأيضاً غير شرعي حتى زواله. أتت ملاحظتي هذه رداً على إشارة من قبل وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في كلمته الافتتاحية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كان كذلك، أي اضطهادياً، في بعض الأحيان".

- "طال الحديث عن حل الدولتين. وكان مفهوم هذا الحل من الأساس هلامياً. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يعني دولة فلسطينية مستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧، من الواضح أن ذلك لم يكن وارداً على الإطلاق في أي تصور إسرائيلي لمفهوم حل الدولتين، وحتى منذ البدايات. وللتدليل على ذلك، ذكَّرت بخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين أمام الكنيست في عام ١٩٩٥، والذي قال فيه نصاً أن المقصود بالدولة الفلسطينية ليس إلا شبه دولة. كما ذكَّرت بأن ما تضمنه خطابه لجهة مساحة هذا الكيان الفلسطيني المسخ وانعدام سيادته يحاكي تماماً، ولدرجة التطابق التام، ما ورد نصاً في خطة الرئيس ترامب في عام ٢٠٢٠."

توصيف إسرائيل الدولة:

- ما تردد في العديد من المداخلات اليوم بشأن القلق على مصير الديموقراطية في إسرائيل ليس في محله. فمن وجهة نظرنا، لم تكن إسرائيل يوماً ديموقراطية. وإن كانت، فليس سوى لفئة مختارة من مواطنيها. وهذا الأمر تفاقم بطبيعة الحال في أعقاب احتلال إسرائيل لباقي أرض فلسطين في عام ١٩٦٧.

- وكذلك شأن التباكي اليوم على مصير استقلالية القضاء في إسرائيل. فالمحكمة العليا الإسرائيلية لم تحكم يوماً سوى لصالح الحكومات المتعاقبة في إسرائيل في شأن كافة القضايا المتصلة بعدم قانونية الاحتلال وممارساته العنصرية. وكمثال صارخ على ذلك، ذكَّرت برد تلك المحكمة في عام ٢٠٢١ كافة الالتماسات التي قُدمت إليها على خلفية اقرار قانون القومية العنصري في عام ٢٠١٨. كما ذكَّرت أن هذا الرد تم بأغلبية عشر أصوات مقابل اعتراض واحد فقط، وكان ذلك، وما هو لافت، صوت جورج قرّى، القاضي الفلسطيني الوحيد في هيئة المحكمة.

توصيف علاقة إسرائيل المحتلة مع الولايات المتحدة الأمريكية:

- لذلك لم يعد من المجدي حتى مجرد الحديث عن حل الدولتين وفق ما ساد من تداول في هذا الشأن. الموضوع انتهى، وكان في أحسن الظروف في غرفة العناية المكثفة، إن لم يكن قد مات فعلاً عشية تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة. ثم أتى كل ما قامت به إدارة ترامب ليجهز تماماً على كل ما يمكن أن يكون قد تبقى من امكانية قيام دولة فلسطينية بمواصفات مقبولة فلسطينياً.

- في ضوء هذا التشخيص، ما تحدثت عنه مساعدة وزير الخارجية باربارا ليف من ضرورة التركيز على تحقيق الاستقرار أمر في تقديري لا يمكن أن ينجح بمعزل عن مفهوم محدد لإطار عمل مقبول. وهذا يتجاوز بكثير ما يكثر الحديث بشأنه لجهة ضرورة وجود أفق سياسيي. فهذا أيضاً كلام ينقصه الكثير من التحديد. ولا يكفي أيضاً حتى ما ذهب إليه السفير جرجيان لجهة ماهية المُخرج النهائي لعملية سياسية ما، على أهمية ذلك. فمرجعيات العملية السياسية تآكلت ولم يبق منها شيء.

- كثر الحديث عما ألحقته إدارة الرئيس ترامب من أذى لجهة إدامة الاحتلال الإسرائيلي وشرعنته. وكله صحيح. ولكن أود التذكير أن الإدارة الأمريكية الحالية كانت قد تبنت شعار العودة إلى الأصول في إدارة العلاقات الخارجية. أتساءل: ما الذي فعلته هذه الإدارة لإلغاء حتى ولو إجراء واحد من الإجراءات والمواقف التي تبنتها سابقتها؟ الجواب: لا شيء. حتى مجرد القرارين الصادرين عن وزير الخارجية السابق بومبيو، أولهما في تشرين ثاني ٢٠١٩ بشأن عدم اعتبار المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وثانيهما في تشرين الثاني ٢٠٢٠ (بعد الانتخابات) بشأن وسم البضائع المنتجة في المستوطنات كمنتجات اسرائيلية المنشأ، لم يتم الغاؤهما من قبل وزير الخارجية الحالي. ألا يعني القرار الثاني تحديداً مباركة أمريكا لضم اسرائيل للأرض الفلسطينية المحتلة؟ ثم لماذا التردد في وصف الأرض الفلسطينية المحتلة بأنها محتلة وأن الاحتلال اسمه احتلال؟ وبالمناسبة تمت الإشارة من قبل البعض إلى غزة وكأنها خارج الحسبة عند الحديث عن الاحتلال. لكي نكون واضحين، غزة شأنها شأن القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧.

والمستقبل؟

حين يكون الخطاب الفلسطيني واضحا جريئا، بغض النظر عمن يتلوه، فإننا نستطيع المحاججة، في ظل نسف إسرائيل لمشروع الدولتين، وهذا ما أشار اليه دكتور فياض: "بيد أن فشل مشروع ما يسمى بحل الدولتين لا يضفي بحد ذاته أو بشكل تلقائي حتمية على حل الدولة الواحدة، والتي يتم التداول بشأنها أيضاً دون ما يكفي من تحديد، الأمر الذي يعني بالضرورة ما نحن فيه فعلياً من واقع الدولة الواحدة، وهو ليس حلاً، وبالتأكيد ليس وضعاً قابلاً للاستمرار". بمعنى أن إسرائيل لا تريد دولتين، وبالطبع لا تريد دولة واحدة.

والآن، بعد الاستماع لهذين الخطابين، وأي خطاب صريح، فليس أمامنا إلا التأكيد على هذا السقف الوطني العادل والإنساني المشروع، بما كفلته القوانين الدولية.

وأخيرا، فببساطة، فإن ما سوف يقوينا اليوم وغدا وحدتنا الوطنية، وتقوية وجودنا على الأرض، وهذا ما ركز عليه سيادة الرئيس الذي جمع أبناء وبنات شعبنا جميعا. لعلنا من اليوم نستفيد من كل جهد وطني مخلص، للمحافظة على حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف.

[email protected]