الجمعة: 12/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

الطريق سالك... الطريق مغلق

نشر بتاريخ: 23/02/2024 ( آخر تحديث: 23/02/2024 الساعة: 09:08 )

الكاتب: عيسى قراقع

طريق الباذان سالك، طريق عيون الحرامية مغلق، نشرة إخبارية يومية في وسائل الاعلام الفلسطينية، تتجدد كل ساعة حول أوضاع الطرق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبدأت هذه النشرة منذ الحرب الدموية على قطاع غزة في 7 أكتوبر عام 2023 والتي رافقها حرب أخرى وهجمة شرسة على الضفة الغربية والقدس، وذلك بعزل المدن والقرى والتجمعات السكانية عن بعضها البعض، وفرض عقاب جماعي شامل على الشعب الفلسطيني من خلال الاعتداءات والتفتيشات والمضايقات وحملات الاعتقال الواسعة، الاعدامات والاهانات والاقتحامات والاذلال اليومي وجعل الحياة كابوسا لا يطاق.

طريق بوابة سلفيت مغلق، طريق العيزرية سالك، وفي حياتنا الفلسطينية تحديات لا يعيشها أي شعب في الدنيا، الاحتلال الصهيوني هندس الحيز الجغرافي للفلسطينيين ليتفوق على نظام الفصل العنصري في مفهومه التقليدي، فهو احتلال استعماري عنصري حربي استيطاني احلالي نفسي واجتماعي، قلب حياة الشعب الفلسطيني، والقاهم في الهامش والظلال، اشباه بشر، ولا احد يمكنه ان يتصور شعبا يعيش على مدار الساعة في حالة انتظار، ولا احد يمكنه ان يتصور شعبا كاملا يعيش في سجون ومعازل ضيقة، يتحرك بين البوابات والأسيجة، ولا يدري ان كان يستطيع ان يعبر من الحياة الى الموت ام من الموت الى الحياة.

طريق المعرجات مغلق، طريق قلنديا ازمة، نشرة صباحية يسمعها الجميع، الموظف والعامل والفلاح والطالب والمعلم والمسافر، وما بين المغلق والمفتوح يسقط شهيد هنا في هذا الطريق او في ذلك الطريق، اعدامات ميدانية خارج نطاق القضاء، الجنود هم القضاة والمحكمة، اقتحام ومداهمات للمدن والقرى والمخيمات، فتصبح نشرة الاخبار ذات طبقات سميكة، عدد المعتقلين هذه الليلة، عدد الإصابات، استمرار الغارات والقصف الصاروخي على سكان قطاع غزة، مجازر جماعية يومية متواصلة، تتداخل في النشرة الإخبارية أصوات أطفال ونساء، جوعى ونازحين وصراخ، شهادات اسرى ونساء مورس على أجسادهم التعذيب والضرب والاعتداءات الجنسية في السجون والمعسكرات، تصير نشرة الاخبار كالشهيق، الكلمات مغمسة بالدم وبالجثث والغبار والركام.

طريق الكونتينر مغلق، طريق سنجل سالكة، وقد ازدادت الحواجز والعوائق الدائمة منذ الحرب الاجرامية على قطاع غزة، وقد وصل عددها الى اكثر من الف عائق في مختلف انحاء الضفة الغربية، تقييد حركة المركبات الفلسطينية، بوابات اسمنتية وترابية، اسوار وجدران، حواجز مفاجئة (طيارة)، وعلى هذه العوائق ترتكب المآسي والجرائم، التفتيشات المهينة، الاعتقالات، الاعدامات، تدافع المركبات، البحث عن مسالك أخرى وطرق التفافية او السير على الاقدام، ساعات وساعات، تجميد المكان والزمان، دائرة مضطربة مفرغة من اليقين والوقت، لا داعي لتحديد مواعيد او لقاءات او زيارات، هنا في فلسطين شعب يتوه في شوارع وطرقات وطنه، الأيام خالية من المعنى ومشبعة بالخوف والترقب.

مدخل بني نعيم سالك، كفريات طولكرم مغلق، ما هذه الحياة المتشظية المفتتة الناقصة، تلتفت حولك فلا تجد غير إشارات ويافطات وابراج واسلاك تسبب لك الصدمة والغثيان، لقد عبرنوا البلاد حجرا حجرا، موقعا موقعا، مسحوا الأسماء الفلسطينية واستبدلوها بأسماء عبرية، شطبوا التاريخ والذاكرة، مستوطنات ومواقع عسكرية غيرت المشهد الفلسطيني، هيمنة لغوية على المكان، وقد جرى تهويد وعبرنة اكثر من تسعة الاف موقع في أماكن متعددة في فلسطين، إبادة ثقافية شملت كل ما على وجه الأرض من تجمعات سكانية ونباتات وحيوانات، خرائب وقرى ووديان وهضاب وتلال وجبال وآبار وينابيع، الاستيلاء على ملكية الأرض روحيا وماديا، وكل ما تسمعه حولك ذو رطنة عبرية وتوراتية، ضجيج صهيوني قومي، اليات وبنادق وجرافات، سجانون وجنود وقناصة ومستوطنون وحاخاميون ينتظرون وصولك الى هذا الحاجز، يعتقلوك ويعروك من ملابسك، يكبلونك ويدعسون على رأسك ببساطيرهم المدببة، ينكلون بك ويضربونك باعقاب البنادق والارجل، يفتشون كل مساحات جسدك، يريدون ان ينتصروا على حياتك ومواعيدك، انه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، ينتشون امام وجعك وعذابك ورجفة جسمك وتكسير عظامك، يلتقطون الصور والفيديوهات ويرسلونها الى حبيباتهم، لقد انتصرنا.

الطريق سالك، الطريق مغلق، نشرة الاخبار تصبح ساخنة وهي تبث اخبار القصف المدفعي والصاروخي في قطاع غزة، ويبدأ عدد الشهداء يتصاعد حتى ينفجر عقلك، ويتجمد دماغك، انت نازح في الضفة المحتلة ونازح في غزة، عالق بين الرصاص والحواجز والدمار البشري والجغرافي، جسدك ينهار ويتقوض كما تنهار آلاف المنازل فوق رؤوس سكانها، وانت تنهار الى داخلك، وكم مرة ستصبح لاجئ، لا تصل الى البيت او الأصدقاء، لاجئ في الموت الذي غيب العائلة، ولاجئ في الحياة التي ظلت ناقصة.

طريق بزاريا مغلقة، طريق حزما سالكة، تشعر بالاختناق وانت تسمع هذه النشرة الإخبارية، صوت اكرم الصوراني يقول عبر الإذاعة: نجهز الحطب والنار ونغلي الماء في غزة، ثم لا نجد ما نطبخه، نطبخ كل شيء الا الطبيخ، نأكل كل شيء الا الاكل، الوقت من دم، والتاريخ منتصف فبراير 2024، سندفن جثة مجهولة الهوية تحت شجرة مجهولة الهوية، ويتداخل صوت اكرم الصوراني مع صوت الطفلة سمية الزهار وهي تقول: ماما استشهدت هي واثنين من اخواتي، اشتقت الهم كلهم ولغرفتي والعابي، وخلال ذلك تسمع صرخة تقول: لهلقيت هيهم تحت الدار، تحت انقاض الاسمنت والحديد والخراب، وتنتقل النشرة الإخبارية الى الفتاة الجريحة عهد بسيسو وهي تقول: دبابة إسرائيلية استهدفتني بقذيفة شمال غزة، عمي بتر ساقي بسكين لإنقاذي، استخدم ليفة صحون لتنظيف قدمي من الشظايا والرمال، ونصف شبابنا فقدوا اقدامهم، تنتفض تمسح دموعك، لازلت واقفا على الحاجز، متى تتوقف نشرة الاخبار حتى تتوقف هذه الحرب اللئيمة ونتنفس.

الطريق سالك الطريق مغلق، الطريق الى الحياة مغلق، الطريق الى الموت مفتوح، حرثوا القبور ونهبوا الجثث، سرقوا الموت، سائق المركبة عليه الآن ان يسوق في الجحيم، فالجدار بين السماء والأرض اصبح مفتوحا كما قال الشاعر المتوكل طه، زمن غزة المادي والروحي يتمدد على الاسفلت، وكم نحن الآن بحاجة الى الله بعد ان تخلى عنا الجميع، ربما ينزل الجبل الى البحر، ثمة دليل على زلزال يتحرك في شرايين الأطفال في الأرض المحتلة، يأخذ بيدها الموج، لا تضيق بها حدود الابرتهايد.

طريق الساوية سالك، مدخل عزون مغلق، كيف اذا تمكن الطفلان هديل وعماد الدين من الخروج لشراء الكلمنتينا في غزة، فأعدمهما قناص إسرائيلي؟ من يقاوم النزوح والهجرة يجوع ، من يقاوم الجوع يموت ، هذه هي المعادلة الامريكية والصهيونية ، طفلة تحتضن أمها القتيلة: لا تتركيني في بيت احزاني وحيدة، وما بال هذه العجوز التي تجلس بجانبي تقول: بتوفيق من السماء نحمل دمنا في عروقنا كي تتدفق في كل انهار العالم ، فالطريق سالك، وعلى الجميع ان يصدق ان في فلسطين انفاق فضائية.

الطريق مغلق الطريق سالك، المذيعة تصمت قليلا ثم تتابع: توفي الفنان الفلسطيني المقدسي مصطفى الكرد، لا زال صوته يصدح من حارات القدس العتيقة حتى غزة: هات السكة هات المنجل اوعى بيوم عن ارضك ترحل، وما اكثر الشعراء والكتاب والفنانين والموسيقيين والعلماء الذين قتلوا وتوفوا في زمن غزة، قتلوا الامام الشافعي فاختفى الناسخ والمنسوخ، وأصبحت الاحاديث المنقولة بلا اسانيد، كأن الحرب على غزة هي نهاية الكلمة الحرة، نهاية الجمال والثقافة والأغنية، الدمار واسع شمل كل المعالم الثقافية والتاريخية، المساجد والكنائس الاثرية، المتاحف والمكتبات ومراكز الأرشيف والجداريات والحارات والأسواق الشعبية، هولاكو هنا، جنكيز خان، النازيون الجدد هنا، الرمل صار اسود، التاريخ احترق، قتل الشاعر سليم النفار، ففر زهر اللوز من القصيدة.

الطريق سالك، الطريق مغلق، الى متى؟ الى ما لا ندري، قصفت الكنيسة والمئذنة، المدينة تركت دون بوصلة، هي أشلاء تضرب وجهك دون رحمة، تقول ذلك الكاتبة نعمة حسن: يا الله! اريد ان انام، يا الله اطفالي يصرخون لا يعرفون النوم، هو صوت ناهض زقوت يصرخ من أعماق الليل الساكن، بالقهر وبالجوع وبالألم، الأطفال يلعبون لعبة الغميضة ينامون على الرمل ويأكلون على الرمل وكل حياتنا رمل برمل، كل حياتي داخل الخيمة من الرمل للرمل، كان ذلك صوت ريما محمود وهي تبحث عن الخبز والطحين والحطب في الطوابير المكتظة في غزة.

طريق عناتا سالك، طريق زعترة مغلق، لم تعد الشوارع تشبه الشوارع، لم تعد الطريق نفس الطريق، لا المكان ولا المشهد، كتبت ليان أبو القمصان من غزة، الطريق المرصوفة الطويلة باتت تلك المجموعة المتشرذمة من الحجارة والحديد وبقايا الاسفلت، كانت كفيلة بجعلي اتحطم، ومازلنا واقفين على المفترق، غضب واعصاب مشدودة، الحنون الأحمر الذي ملأ الأرض ينادينا، لكننا لا نتحرك، نحن في دائرة مغلقة، الجنود على الحاجز، لا يروننا كبشر، وصوت المذيعة لا يفتح الطرق، لا يتأخر ولا يتقدم.

طريق السموع سالك، حاجز الحمرا مغلق، وكان لا بد لامرأة فلسطينية من قرية برطعة ان تضع مولودها على الحاجز المقام على أراضي البلدة، هنا المخاض العسير والرعب والبنادق، مولود جميل اسمه شامخ، وعلى نفس الحاجز تزف المذيعة خبر استشهاد الأسير المشلول خالد الشاويش، المؤبدات والأمراض وسوء المعاملة والانتقام، اغلقوا عليه كل البوابات، الزنزانة قبر وتابوت ومشانق.

طريق عين سينيا سالك، طريق كفر عقب مغلقة، وتبدأ المذيعة بقراءة تقرير منظمة اليونسف الذي يقول: غزة تشهد اسوأ مستوى سوء تغذية، يشرب الناس من مصادر المياه الملوثة، الامراض المعدية آخذه في الارتفاع، لهذا كتب إبراهيم المدهون: الجوع ينهش شمال غزة، ينام الأطفال بأمعاء خاوية، طريق المساعدات مغلقة، أكياس التبن والعلف فارغة.

طريق النشاش مغلقة، بوابة جماعين سالكة، من يسمع هذه الام التي تقول: مش قادر اجيبلو حليب وفش تغذية، بيرضع ميه؟ ومن يسمع الأسير رمضان شملخ الذي اعتقلوه وعذبوه بالسكين؟ جسده غارق بالدم، هددوه بقطع أصابعه واذنيه، بينما ذلك الرجل الذي حرقوا بيته بعد ان نهبه الجنود، لا زال يبحث عن ذكرياته وايقاعات أحلامه، خطوات ابناءه الصغار، عن نافذة تطل على قمر لا يغيب.

طريق حوارة مغلق، طريق جورة الشمعة سالك، وقد رأى الناس اسقف غزة برفيريوس يخرج من الكنيسة التي سميت بأسمه في حي الزيتون، وهي ثالث اقدم كنيسة في العالم، وكانت ملاذا للفقراء واللاجئين والهاربين من الحروب، تعرضت للقصف والدمار في غزة، غرس الاسقف صليبه في الرمل ونادى على النازحين قائلا: تعالوا هنا، تجمعوا تحت الصليب، كل الطرق مغلقة، وليس هناك من طريق الا الصمود والايمان والحرية.