الجمعة: 14/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

من الاخر لماذا عجز اشقاؤنا العرب عن انقاذنا حتى الان

نشر بتاريخ: 13/05/2024 ( آخر تحديث: 13/05/2024 الساعة: 10:30 )

الكاتب:


د.أحمد رفيق عوض

رئيس مركز القدس للدراسات المستقبلية / جامعة القدس

يميل العقل الكسول الى ان يبسط الاجابة و يختزلها للرد على السؤال السابق ، مثل هذا العقل لا يرغب ان يرى الصورة بكامل ابعادها ، بل يحاول ان يجد سببا واحدا و مباشرا و سريعا للاجابة ، فالاشقاء العرب عاجزون عن مساعدتنا و انقاذنا مما نحن فيه لانهم متعاونون و متخاذلون و جبناء ، و هي اجابة تكفي رغم ما فيها من عاطفة طفولية و رغبة في الاهانة و جلد الذات و ادارة الظهر للعالم ، و لكن ذلك لا يكفي حقا لا تكفي الاهانة و الجلد ولا الرفض ولا البكاء ولا استثارة الهمم او النخوة .

الاشقاء العرب ، و على الرغم من مواقفهم التي نستنكر بعضها و نرفض بعضها الاخر و نعتقد جازمين ان بعض سياساتهم لا تؤدي الى المطلوب منها حتى لاهلها ، الا انهم ، للحقيقة ، اوقعوا انفسهم في منطقة العجز و منطقه ، و قادوا انفسهم طوعا او كرها الى شباك القوى الكبرى و شبكاتها الامنية و السياسية ، ذلك ان معظهم الانظمة العربية الشقيقة تعاني من الفقر و البطالة و الديون و اشكالية العلاقة بين الحاكم و المحكوم و من التهديدات الداخلية و الخارجية و من تعطيل القوى المدنية الفاعلة و من الاستئثار بالحكم و القرار و التفرد في السلطة و الثروة و هي نقاط ضعفا تستغلها القوى الكبرى و غير الكبرى لابتزاز تلك الانظمة ، بحيث تبدو تلك الانظمة على شفا حفرة من كل شيء ، السقوط السياسي و الهزيمة العسكرية و التفكك المجتمعي و الانقسام الجغرافي .

يبدو النظام العربي في معظمه لم يحسم مضامينه او مقولاته ، و لم يقدم المقولة الجامعة ولا السياسة الضامة ولا الخطة الناجعة ، ولم يحول النظام العربي في معظمه الدولة الى ان تكون هي الفاعلة و القادرة ، بل ما تزال الدولة العربية احدى المقترحات و ليس اخرها او قاسمها المشترك العظم ، و لهذا فأن النظام العربي يخاف من التقسيم الجغرافي و الطائفي و العرقي و الديني و السياسي ، و رغم الثروات لدى البعض منها فأن ذلك لم يحولها الى نموذج حديث للدولة بقدر ما جعلها اكثر استهلاكية و اقل انتاجية بمعنى ان تتجمل بالحداثة دون ان تصل الى عناصر الحداثة و مكوناتها ، يمكن القول ان النظام العربي و خصوصا بعد الربيع العربي يضطر الى ان يراجع ذاته من جديد و يضطر الى اعادة تقييم فكرة الدولة اصلا ذلك ان مفهوم الدولة العربية الحديثة يتراجع لصالح مفاهيم ما قبل الدولة و الى مستويات امنية و استحواذية لطغم متعددة .

ما علاقة ذلك كله بالسؤال المطروح ، لماذا عجز اشقاؤنا العرب من انقاذنا مما نحن فيه من عذاب و ظلم و تشريد و محاولات شطب و تغييب !

للاجابة على ذلك بكل صراحة فأن بعض هذه الانظمة الشقيقة وجدت في التطبيع مع اسرائيل حل لمشاكلها الداخلية و ضمانة لبقائها و سببا للرضى عنها و غض البصر عن تجاوزاتها امام ما يطلق عليه زورا و بهتانا المجتمع الدولي ، و التطبيع اسرائيل ، بالتجربة الفعلية ، اثبت انه ليس ضمانة لشيء و لم يشكل حلا للازمات الداخلية ، بل على العكس من ذلك ، اصبح التطبيع احدى القضايا الجدلية في تلك الانظمة ، و لكن التطبيع ادى الى تقنين العلاقة مع الشعب الفلسطيني و تحديد الوسائل لدعمه و مساعدته و ادى ايضا الى زيادة مسائلته و حصاره و انتقاده.

اكثر من ذلك ان التردي السياسي و الضعف الاجتماعي و غياب الرؤية الشاملة الامنية و الاقتصادية للاقليم العربي اضعف كل الانظمة العربية و تركها مكشوفة و اغرقها في صراعات ثنائية و احلاف متعارضة و اغرى بعضها في ان ينوب عن قوى اخرى في حروب وكالة بغيضة و بشعة لم تؤد الا لمزيد من الضعف و التهتك و التفكك ، كان من الغريب ان السنوات العشر السابقة شهدت حروبا عربية عربية غير مسبوقة و لهذا لم يكن من السمتغرب ان تنتهز اسرائيل الفرصة لشن حروب متعددة على الشعب الفلسطيني و لم يكن من المستغرب ان تحاول ايران في ذات الفترة ايضا ان تتقدم بحذر و لكن بثبات لتطوير برنامج نووي غامض .

بأختصار ، الانظمة العربية في معظمها في حالة اضطراب و جدل و تهديد و في حالة بحث عن اتجاه و مضمون و مقولة و سياسة ، الانظمة العربية تبحث عن امكانات و ملاذات للامان و التحالف الضامن مع قوى متصارعة لا ترى في قضايانا اهمية الا بما يخدم مصالحها .

اخيرا لا يمكن لنظام عربي ان ينقذنا كما ينبغي فيما شبكة علاقاته المتعددة مع كثير من القوى الكبرى التي تدعم اسرائيل و تعمل على ابقائها متفوقة على الاقليم بكل ما فيه و هذا يعني انه لو كانت هناك نوايا حسنة و دوافع مصلحية اخرى للنظام العربي لتقديم العون للشعب الفلسطيني الا ان ذلك سيصطدم بحائط من العجز و قلة الخيارات و انعدام القدرات ، ما الحل اذن ! الحل برأي هو ان يعيد النظام العربي تعريفه لذاته و علاقاته و اهدافه و مرجعياته ، فالنظام لخدمة الوطن و المواطن و ليس لخدمة طغم معينة مهما كانت هذه الطغم تمتلك من الشرعية او الاحقية او الوهم الشيء القليل او الكثير .

لا يمكن لاي نظام مهما كان ان ينتصر دون ان يعيد تشكيل علاقته مع جمهوره على اساس المشاركة الحقة في القرار و الفعل و تشكيل المجتمع .