بروتوكول باريس الإقتصادي إلى الواجهة

نشر بتاريخ: 03/01/2019 ( آخر تحديث: 03/01/2019 الساعة: 17:28 )

الكاتب: سامر سلامه

وقعت منظمة التحرير الفلسطينية إتفاقا إقتصاديا مرحليا مع الجانب الإسرائيلي في شهر نيسان 1994 عرف بإسم بروتوكول باريس الإقتصادي والذي جاء بعد توقيع إتفاقية السلام المرحلية أيضا في شهر أيلول 1993 والمعروفة بإسم إتفاق أوسلو. هذا الإتفاق الإقتصادي من المفترض أن ينظم العلاقة الإقتصادية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي خلال المرحلة الإنتقالية التي إنتهت فعليا في شهر أيار من العام 1999. إلا أنه ومنذ العام 1994 فإن العلاقة الإقتصادية بين الجانبين يحكمها هذا الإتفاق الذي يمكن وصفه على أنه إتفاق معطل ولا يلبي الحقوق الإقتصادية للجانب الفلسطيني. وخلال العشر سنوات الماضية ونتيجة لعدم إلتزام إسرائيل بهذا الإتفاق فإن العديد من الإقتصاديين الفلسطينيين قد بدئوا بإثارة هذا الموضوع والدعوة إلى إلزام إسرائيل بما جاء به وتعديله أيضا لما فيه من إجحاف بحق الجانب الفلسطيني. حيث أن البعض قد ذهب أبعد من ذلك في إنتقاده للإستمرار بالعمل بهذا البروتوكول حيث وصفوه بأنه بروتوكول يعزز التبعية للإقتصاد الإسرائيلي الذي يعتبر الأقوى والأكثر حداثه. ومع تعثر ما يسمى بالعملية السياسية فإن القيادة وفي إطار سعيها لتغيير الوضع القائم على كافة المستويات فإنها قد بدئت بالمطالبة الفعلية لمراجعة هذا البروتوكول وإلزام إسرائيل بتطبيق بنوده بهدف التحرر من التبعية الإقتصادية لإسرائيل والسير نحو الإستقلال الإقتصادي على طريق التحرر السياسي. وقد طالب السيد الرئيس فعليا من فرنسا راعية هذا الإتفاق للضغط على إسرائيل وإلزامها بتطبيقه وتعديله بما ينسجم والحقوق المشروعة للجانب الفلسطيني. وقد وافقت فرنسا على الطلب الفلسطيني مؤخرا وقدمت طلبا رسميا لإسرائيل للجلوس إلى طاولة الحوار مع الحكومة الفلسطينية. وإسرائيل كعادتها لم تقم بالرد على الطلب الفرنسي حتى الآن وإنما إكتفت بتصريح على لسان رئيس وزرائها بأنها تدرس الطلب.
بالرغم من السمعة السيئة لهذا الإتفاق الإقتصادي في الأوساط الفلسطينية الذي يعزى سببه لعدم إلتزام إسرائيل به وليس كون الإتفاق نفسه سيء بالرغم من وجود بعض البنود المجحفة بحق الجانب الفلسطيني التي تستدعي منا العمل على تعديلها. وبإعتقادي فإنني أرى أنه من الضروري أولا الضغط على إسرائيل عبر المحافل الدولية لتطبيق الإتفاق قبل الإنخراط في مفاوضات لتعديل بنوده. وإنني أعتقد أيضا أنه إذا تم تطبيق الإتفاق بصيغته الحالية فإننا سنحصل على العديد من الإمتيازات التي ستساعد على دعم وتمكين الإقتصاد الفلسطيني وإعطائه إستقلالية أكبر مما عليه الآن وبعد ذلك يتم العمل مع الجهات الدولية وخاصة فرنسا على طرح البنود المجحفة فيه للتفاوض بهدف التعديل لما فيه مصلحة الإقتصاد الوطني الفلسطيني.
ومن القضايا التي لم تلتزم بها إسرائيل كليا أو جزئيا (على سبيل المثال لا الحصر) بالرغم من الإتفاق عليها في البروتوكول هي أولا تفعيل اللجنة الإقتصادية المشتركة التي توقف العمل بها منذ العام 2000. حيث من المفترض معالجة كافة القضايا الخلافية بين الجانبين من خلال هذه اللجنة. فمنذ ذلك التاريخ لم تجتمع اللجنة المشتركة سوى مرة واحدة في العام 2009 دون نتائج ملموسة الأمر الذي أعطى لإسرائيل الفرصة للتعامل بفوقية مع الجانب الفلسطيني وفرض شروطها عليه في ظل غاب هذه اللجنة. وثانيا عدم إلتزام إسرائيل بسياسات الإستيراد المتفق عليها والتي تعطي للجانب الفلسطيني حق وحرية الإستيراد من الدول العربية والإسلامية بما يشمل ذلك إستيراد البترول والكهرباء بالإضافة إلى حق التفاوض على أسعار وتفاصيل ومواصفات البضائع المستوردة دون تدخل الجانب الإسرائيلي الأمر الذي لم ينفذ إلا نادرا خلال الفترة الماضية. وثالثا تنكر الإسرائيليين لحق الجانب الفلسطيني لإدارة المعابر التجارية مع الأردن وقطاع غزه وخاصة إدارة الجمارك الأمر الذي أفقد السلطة الفلسطينية السيطرة على الموارد الجمركية التي يجب أن تجبى مباشرة عبر المكاتب الفلسطينية دون تدخل من إسرائيل. ورابعا تعطيل إسرائيل لحق الفلسطينيين بإصدار عملة وطنية وفرض الشيكل الإسرائيلي كعملة للتداول في مناطق نفوذ الحكومة الفلسطينية ولم يقتصر الموضوع عند هذا الحد بل عملت إسرائيل على عدم ضخ السيولة النقدية من الشيكل وخاصة الفكة إلى قطاع غزه كما وعملت على إتخام سوق الضفة بالشيكل نتيجة لعدم قبولها لإسترداد الفائض منه الأمر الذي أدى إلى وجود مليارات الشواكل لدى البنوك الفلسطينية دون إستخدام. أما الضرائب فإن إسرائيل قد أوقفت الجباية من المناطق المصنفة "ج" لصالح السلطة الفلسطينية وبهذا قد أفقدت السلطة مورد مهم من العائدات الضريبية هذا بالإضافة إلى إستمرار إسرائيل بإقتطاع ما نسبته 3% من العائدات الضريبية التي تجبيها بالنيابة عن السلطة وإقتطاعات أخرى لتسوية بعض الديون المترتبة إما على الحكومة الفلسطينية أو المواطنين الفلسطينيين دون موافقة السلطة على ذلك. ولم تتوقف إسرائيل عند هذا الحد بل أيضا إتبعت سياسات خاصة منافية لما تم التوقيع عليه في بروتوكول باريس فيما يتعلق بالعمال الفلسطينيين وتسوية قضايا التأمين والزراعة والسياحة. فالإتفاق أعطى الجانب الفلسطيني حقوق خاصة ومهمة في هذه القطاعات إلا أن إسرائيل لا تلتزم بها. وبالنتيجة فإن إجبار إسرائيل على تنفيذ إتفاق باريس من خلال رعاة هذا الإتفاق أفضل بكثير من الذهاب إلى مفاوضات لا نعلم متى تبدأ ومتى وكيف ستنتهي.
وفي إطار تعزيز قدرتنا على إلزام إسرائيل بتطبيق بنود الإتفاق، فإنه من الضروري في هذه المرحلة وقف أي علاقة إقتصادية مع أية جهة إسرائيلية دون أن تكون مؤطرة في إطار رسمي بين الجانبين وذلك نحو ضبط العلاقة الإقتصادية مع الجانب الإسرائيلي لمنع التهريب أو التهرب الضريبي، وهنا أود التركيز على جانب العمل والعمال حيث يعمل الآن في سوق العمل الإسرائيلي أكثر من 90 ألف عامل فلسطيني بتصاريح عمل رسمية بإتفاق ثنائي بين العامل الفلسطيني ومشغله الإسرائيلي وهذا الموضوع أيضا ينسحب على التعامل المباشر بين تجار فلسطينيين وإسرائيليين دون وجود أي إتفاق تجاري بين الطرفين على المستوى الرسمي الأمر الذي يضعنا دائما تحت رحمة المشغل أو التاجر الإسرائيلي وثانيا ضرورة إقحام فرنسا لتقييم مدى تطبيق الإتفاق الذي رعته ووقع على أراضيها بهدف الحصول على تقييم دولي لمدى إلتزام إسرائيل بتطبيق الإتفاق حيث أن المشكلة تتمثل في تهرب إسرائيل من تطبيق بنود الإتفاق في العديد من الحالات، وثالثا البدء في الإنفتاح على العالم الخارجي وخاصة العربي فيما يتعلق بالإستيراد وأهمها الوقود بعيدا عن إسرائيل حيث يكفل البروتوكول حق الجانب الفلسطيني من إستيراد حاجاته من الخارج وإلزام إسرائيل بتسهيل عملية الإستيراد عبر المحاكم الدولية، وأخيرا العمل على تعزيز الإنتاج المحلي نحو تعزيز إستقلالية الإقتصاد الفلسطيني وتنظيم العلاقات الإقتصادية مع إسرائيل بما ينسجم مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.