Advertisements

لكل شيء نهاية حتى الورطة

نشر بتاريخ: 15/05/2020 ( آخر تحديث: 16/05/2020 الساعة: 10:14 )

الكاتب: محمود بركة



ليست ذكرى ومفتاح معلق , ووطن يحمل الرحيل ويرحل , ولجوء يخترع معنى اَخر في لغة المنفى , وليست كذلك عيون العالم وهيّ تنظر لحظة إنكار الحقيقة على جرح مفتوح يرفض المرفوض للفكرة المتأسرلة لمحاولة طمس الماضي وتطبيع الحاضر بابتكار صيغ جديدة للوجود الإسرائيلي , النكبة فعل مخترع يحاول تدوين نفسه ويحاول اختزاع مشروعه بهدم الحقيقة واستدلال ديمغرافية غير معروفة بالتجريف والتهجير لأصحاب الأرض والحياة الأولى , صعب على العالم قراءة الحقائق لكن لا يستطيع إنكارها , ويواجه المستحيل لتغير ما جاء في البئْرُ الأولى لجبرا إبراهيم جبرا عن الحياة الفسطينية في تكوينها وطقوسها اليومية قبل الإحتلال و نكبته , وكيف سخر الوجود لما جاء في الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي , لما لا يقرأ العالم خارج المكان لإدوارد سعيد ويدرك جغرافية اللغة والارتحال , لما لا ينظر القانون إلى باب الشمس وما كتبه إلياس خوري , مقابل الفعل الدموي الذي يرتكبه الإحتلال من شهيد تلو الاَخر وأسرى لم تتسع لهم المعتقلات , وبيوت تتحطم بجرفات الجند المحتل , النكبة لا تعريف يعرفها ولا تنظير يوصفها , فكيف لمعنى متقلب ومستمر أن يُعرف قبل تحريره من خطيئته , النكبة بداية استعمار مستمر يخترع لكيانه الضرورات والحجج الواهية المصحوبة بالمجازر والقتل وسرقة الأراضي , واختراع الصفقات الدولية الفاشلة و التوسع في ضم الأرضي الفلسطينية للكيان المحتل وإنشاء المستوطنات , نكبتنا ماضي لم ينتهي بوجود الإحتلال المرتكب والفاعل للجريمة والشاهد عليها رغم تنكره , ولا يعني استمرارها أبداً طمس معالمها وتحويلها إلى لغة مشروعة " , يصف المؤسس الشهيد صلاح خلف مشهد النكبة " لقد خرجنا من يافا تحت وابل من الرصاص والقتل الذي مارسته المنظمات الصهيونية شتيرن والارغون دون رحمة أو شفقة بأحوال الأطفال والشيوخ المسنين والنساء, لقد كان مشهداَ لن أنساه طول حياتي , وسيبقى دور إسرائيل بالأصل خلق واقع استيطاني لا يغيب عن ذاكرتنا " أسس هذا التكوين الأيديولوجي لأفعال القتل والتهجير بفعل الإحتلال الإسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية للأفكار الجذرية للاستيطان ونكران العدالة لواقع الهيمنة , النكبة تُصيب وجدان كل ماهو فلسطيني نزيف المأساة لفعل السياسة السلبية , يقول محمود درويش " إلى أين تأخذني يا أبي ؟ إلى جهة الريح يا ولدي " تلك هي حقيقة الدهشة المؤلمة في التاريخ المتواصل لتهجير شعب وإبقاء سكانه على مقصلة الإعدام , صراع حقه مشروع في المقاومة العادلة وتحقيق المصير في اتجاه الإدعاء الإسرائيلي و تزييف الحقائق التاريخية والمواربات بما يخدم ذلك الإدعاء المفقود لوجوده ونسبها الى أرض المعياد , ولكنها هي أرض العربي والتحرير, صحيح دخل الصراع في تحولات لا تقل خطورة عن سوابق الإحتلال في الهيمنة والسرقة والتقسيم بمساعي الإحتلال لإيجاد قوانين وتشريعات دولية تشرع وجوده المزيف, فلا يمكن أن ينسى العالم اختراع إسرائيل لفكرة متطرفة لأصولية العقيدة , فلا من قوة تتنكر للحقيقة وتحقق ثقافة الهزيمة وقبولها بأعطانا جزء من أرضنا وتوسع المرفوض وما ترفضه كل الأنظمة العربية والدولية للاستراتيجية الإسرائيلية التي تستند إلى اعتبارات إمبريالية وهنا يتضح شعار المؤلف الفرنسي اروشفوكو " النفاق هو الضريبة التي يدفعها المكر للفضيلة", القانون نفسه يسقط امام هذه الفكرة , فكر الجلاد والصورة المدمرة للظلم ومحاولات اِقتلاع شعب من أرضه في تاريخ طويل من الأسى يتقارب عمره من اثنان وسبعون عام, تاريخ حاضر من الأجداد الى الأحفاد في وعي الجماهير العربية الحيّة وجدانية المناعة الوطنية من المحيط إلى الخليج وكل أرض عربية تلاحمت بالتدوين الفكري الذي أخذ يسجل فلسطين في الكتابة والفن وكل مسارات العمل الثقافي العربي والعالمي لحفظ الذاكرة وإبقاء فلسطين في عقل الطلائع العربية مهما صاحب الرؤى من الجدلية والديالكتيك في الفعل السياسي , فهذا طرح قائم في مجرة السياسة الدولية التي لا تنسى انها تتعامل مع متغيرات متقلبة وقوى عالمية فالعقلية العربية تدرك تماماَ ان فلسطين جزء متأصل منها مصممة على الحياة والحرية والاستقلال الوطني , راسخ في القلم والضمير العربي لمن أراد معرفة الحقيقة .
توجه المفكر إدوارد سعيد عام 2001 إلى الحدود اللبنانية الفلسطينية يرفع بيده الحجر في وجه الإحتلال الإسرائيلي , تأكيد على ان العمل الفكري الذي يفككك ويفسر حالة الاستعمار لابد ان يكون بفعل عمل مقاوم ,وتلك اللحظة العظيمة التي شارك فيها إدوارد شعب الحجارة بحجره وحقه المقدس في المقاومة, رغم كل كتاباته الواسعة المتعددة المشارب إلا أن هذا المفكر إستطاع وضع هذه الرمزية في عقول الجماهير والتأكيد على الاختراع الإسرائيلي لفكرة الدويلة القائمة على العنف المستمر وحق مقاومته , ومن باب المقاربة ما حدث خلال الأيام السابقة شاهد العالم بالصورة الحية الجرافات الإسرائيلية وهي تقتحم بلدة كوبر قضاء رام الله وذلك على سبيل المثال لا الحصر لفكرة النكبة المتجددة في سلوك الإحتلال المتطرف , تلك الصورة التي تناقلتها الكاميرات والوسائل الإعلامية لهدم بيت عائلة الدكتورة وداد البرغوثي يفسر هذا النهج العنصري المتعالي على القوانين الدولية والأخلاقية , في حين نجد صباح يوم الواقعة كيف تقوم المرأة الفلسطينية بزرع نبات الصبر فوق ركام البيت , تأكيداً على التمسك بالأرض , جاءت النكبة وولد معها أجيال وأجيال بين التشريد والنفي وشعب محتل وحواجز ومعتقلات وتقسيم تسعى إسرائيل على القيام به عبر ما يعرف بالضم لمناطق الضفة الغربية لها وبذلك يُكتب فصلاً مستجد من النكبة , إلى ان ينطق إميل حبيبي مرًة اَخرى " ليس هناك على الأرض أقدس من دم الإنسان يا بني , ولذلك سمّيت بلادنا بالمقدسة ,ومع ذلك لكل شيء نهاية حتى الورطة " وللإحتلال نهاية ولفلسطين البداية لا نهاية للغد والعيش بالحرية ....


Advertisements