Advertisements

إدارة التغيير ما بين جائحة كورونا ... وقرارات الضم

نشر بتاريخ: 27/05/2020 ( آخر تحديث: 27/05/2020 الساعة: 21:22 )

الكاتب: مهند أبو شمّة

قليلة حظ هي الحكومة الثامنة عشرة برئاسة د. محمد إشتية؛ لكنها غنية بثقة جمهورها، فما أنْ أقسمت اليمين الدستورية حتى بدأت تواجه الملفات الساخنة الواحد تلو الآخر؛ دون أن تكون هناك فرصة كافية أمامها لتتمكن، حتى أن حياتها الدستورية بدأت بموازنة طوارئ جرّاء حجز دولة الاحتلال مستحقات ومخصصات ذوي الشهداء والأسرى، وهي قضية بمثابة خط أحمر لا يمكن تجاوزه من أي مكون فلسطيني.

استطاعت الحكومة بكل حكمة إدارة أحوال البلاد، ومما عزّز ذلك كسبها ثقة المواطنين ، وما أن دخلنا العام الجديد (٢٠٢٠) حتى واجهت الحكومة جائحة الكورونا التي اجتاحت دول العالم كافة، لتحقق الحكومة الفلسطينية نجاحا في احتواء الفيروس وعدم تفشيه في وقت عانت فيه دول عظمى من عدم قدرتها على السيطرة على الوباء، وكانت بواكير خطة الحد من تفشي الفيروس إعلان حالة الطوارئ التي انعكست على مرافق الحياة كلها، وحالنا في نسبة الأضرار ليس أسوأ من حال دول الجوار والإقليم والعالم؛ وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة في ذروة المواجهة مع الوباء المؤقت وجدت نفسها أمام هجمة صهيونية شرسة تمثلت في وحدة الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي الإسرائيلي للتوافق على الانقضاض على ما تبقى من أراضٍ نرنو لإقامة دولتنا المستقلة عليها، وهنا يكمن التحدي الأكبر فما حققته الحكومة من ثقة لدى المواطن لا ينبغي أن يتراجع وهجه، بل على العكس؛ مطلوب التعزيز والتماسك لما تتطلبه المرحلة القادمة من مواجهة حقيقية تستدعي أن نكون صفاً واحداً في مواجهة محتل غاشم توحد على حساب الدم الفلسطيني وسرقة أرضنا ومواردنا، وفي ظل قرار القيادة السياسية بوقف العمل بكافة الاتفاقيات مع دولة الاحتلال، بات لزاماً على الحكومة الفلسطينية ترجمة ذلك على الأرض لتحقيق المصالح العليا للوطن والمواطن في محاور عدة، وهذا ما أقرته الحكومة في الجلسة الخاصة بتنفيذ قرارات القيادة السياسية.

هي مرحلة معقدة وبالغة الحساسية، ومع بالغ التقدير لمواقف دولة رئيس الوزراء لما يواصل القيام به من دور رائد وقيادة الحكومة باقتدار- فلا بد من بالرد بالسير نحو نهج التغيير برؤية خلاقة وبخطة إستراتيجية وطنية شاملة تعزز صمودنا وقدرتنا في المجالات المختلفة، وبناء اقتصاد وطني مقاوم، وتنمية قطاع الزراعة، وإعادة هيكلة قطاعات الخدمة المدنية والأمنية واستثمار ذلك في تعزيز دوران عجلة التنمية الاقتصادية.

لقد أثبتت جائحة كورونا أن باستطاعتنا إدارة شؤون الدولة بعدد متواضع من الموظفين الموجودين في الخدمة المدنية، من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات، ما يعني حاجتنا الملحة لتطوير منظومة الحكومة الالكترونية وتعزيز سياسة اللامركزية والإدارة بلا ورق في القطاعات كلها، على أن يتم في المقابل توجيه الفائض من الموظفين باتجاه البدء في مشاريع زراعية لاستصلاح الأرض الفلسطينية دون النظر إلى تصنيفها؛ إضافة إلى العمل في مشاريع تنموية صغيرة ممولة من الصناديق الفلسطينية والعربية، واستثمار مقدرات وزارة الأوقاف وغيرها ، ويكون ذلك بالإلزام لا بالتخيير.

فما أحوجنا لخلق حاضنات في مجالات تكنولوجيا المعلومات وتطوير البرامج لنصبح تجربة متميزة في إدارة شؤون الدولة من خلال الحكومة الالكترونية، وبلدا منافساً في ترويج وتسويق التكنولوجيا على مستوى دول الإقليم والعالم، ففلسطين زاخرة بأبنائها المؤهلين المخلصين، وبكفاءات منتمية في مختلف القطاعات؛ قادرة على المساهمة والمشاركة في إنجاح الإستراتيجية الوطنية الخلاقة.

وعلى صعيد المؤسسة الأمنية؛ فلا بد من توحيد أذرعها وإعادة صياغة نهج عملها، واستثمار الخبرات الأمنية والعسكرية في دعم حراك التنمية الاقتصادية في كافة مناطقنا، ولعل زمن الكورونا شاهد على قدرتنا على العمل في مناطقنا الفلسطينية كلها.

ومما لا شك فيه أن دعم الحكومة للتوسع العمراني والتجاري والزراعي بتوسيع الحدود البلدية، وتشجيع رأس المال الفلسطيني في الخارج للاستثمار في أرضنا الفلسطينية من خلال الإعفاءات الضريبية ورسوم التراخيص، يساهم في بسط سيطرتنا والذي لا يتم إلا بالعمل على الأرض، وتعزيز الوجود والبناء عليها.

ثمة منحى مهم يتمثل في تقسيم العمل في الحكومة الفلسطينية من وزارات وهيئات إلى قطاعات بالاعتماد على طبيعة عملها، ويكون على رأس كل قطاع وزير،مما يعني تقليص عدد الوزارات والهيئات ليصبح كل قطاع متكاملا في الرؤية وفي التطبيق، وبما يحد من تكرار العمل، وباستثمار أمثل للموارد البشرية وفي استخدام المباني، وتوجيه الفائض في النفقات التشغيلية نحو النفقات التطويرية ، ضمن خطة إصلاح إداري شمولية تقوم على مراجعة أعمال القطاعات المختلفة في السنوات السابقة بما فيها إعادة تقييم أداء الموارد البشرية ومدى ملاءمة كلٍ منها لموقعه ومنصبه الذي يشغله .

فخطوة كهذه كفيلة بالتقليل من نسبة البطالة بين الخريجين، وتساهم في إنهاء حالة البطالة المقنعة والترهل الوظيفي، وتزيد من سرعة دوران عجلتنا الاقتصادية، ما سيضاعف من الثقة بالحكومة، وستعزز متانة جبهتنا الداخلية وصلابتها.

وعمالنا في الداخل المحتل كما وأسلفت في مقالة سابقة لي " عُمالنا في الداخل وجائحة كورونا: الواقع والتحديات" تُعتبر ورقة فلسطينية سياسية اقتصادية رابحة إذا ما أُحسِن استثمارها ، مع التزامن بإنشاء صندوق للضمان الاجتماعي بمعايير تحقق العدالة دون أي إجحاف في حق مؤسساتنا أو المنتفعين .

وعلى صعيد العمل في الساحات الخارجية والدولية ، فالمراجعة الدقيقة لأداء سفاراتنا ودبلوماسيتنا الفلسطينية خطوة هامة في رسم سياساتنا الخارجية وتغيير نهجنا في مقارعة دولة الاحتلال والضم في المحافل الدولية .

هي رؤيا طموحة تقترن باستخلاص الدروس والعبر، ومعظمها مستوحى من إرهاصات التجربة المعاشة وتراكماتها عبر محطات عدة، ولنا في مواقف قيادتنا السياسية والحكومية ما نستنير به، فمن يصبو لبناء وطن لا يُقايض بثمن، فالأمل عماده وأساسه العمل، وعلى صلابة الموقف والهمّة المتقدة نواصل الاعتماد لنكون عمادا لوطن ظل حاضنة لطموحنا.