Advertisements

الفكر المقروء.. الجميع والمستقبل المشرق (الحلقة الأولى)

نشر بتاريخ: 05/06/2020 ( آخر تحديث: 07/06/2020 الساعة: 17:27 )

الكاتب: د خالد سميح البرغوتي




إن الفيروس التاجي مؤخرا هو حديث البشر قاطبة، كما لو أنه حرب عالمية أو كارثة عالمية اندلعت في السماء الصافية. والواقع أن عام 2020 بدأ بشكل مثير للقلق، مع اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي كاد أن يثير حرباً كبيرة جديدة في الشرق الأوسط، حيث تتواجد جيوش الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا والعديد من البلدان الأخرى. ولكن تراجع العالم خوفا من احتمال نشوب أزمة يمكن أن تتصاعد بسهولة إلى حرب عالمية. إذاً، استبدلت الحرب العالمية المتوقعة بالفيروس التاجي! والآن نحن موجودون في البداية الفعلية للعالم الجديد! " بدا ما حدث في بداية عام 2020 وكأنه استفزاز كان ينبغي أن يتسبب في حرب. وبينما فشل اغتيال اللواء سليماني في الشرق الأوسط في شن حرب إقليمية جديدة، من المحتمل تحولها إلى حرب عالمية، فانتشر الفيروس الذي يعادل في عواقبه المدمرة حرب كبيرة باتت واضحة جدا. حيث تقدر منظمة العمل الدولية أنه نتيجة لتدابير الحجر الصحي الصارمة، سيفقد حوالي 300 مليون شخص وظائفهم وسيترك أكثر من 1.5 مليار من سكان العالم دون مصدر رزق. لماذا 1.5 مليار؟ ومن الواضح أننا نتحدث عن 300 مليون من الأسر المعالين. ولا يزال يبدو وكأنه تنبؤ متفائل! في الهند وحدها، هناك 122 مليون شخص بالفعل عاطلون عن العمل، وسجل معدل البطالة رقما قياسيا بلغ 27.1 في المائة. وفي الاتحاد الأوروبي، تتوقع منظمة التجارة العالمية انخفاض عدد الأشخاص العاملين بمقدار 12 مليون شخص (أي 7.8 في المائة من إجمالي عدد العاملين). في الدول العربية، من المتوقع فصل ما يصل إلى 5 ملايين (8.1 في المائة من القوة العاملة). أما بالنسبة لروسيا، يتوقع الخبراء ما بين 15 و25 مليون عاطل عن العمل. انتهت عواقب حرب غير معلنة، ولكن ملموسة تماما. وبالإضافة إلى ذلك، يجري اتخاذ تدابير لم يسبق لها مثيل في الغالبية العظمى من البلدان لتقييد حقوق المواطنين في الحركة والتنقل والسفر. الهستيريا التي تسبب فيها الوباء العقلي الحقيقي حول COVID-19! لم يسبق لها مثيل وعادة ما تصاحب هذه الأوبئة عقلية الحروب العالمية، على الأقل في المرحلة الأولى.
أما حرب "الفيروس التاجي" فتافهة للغاية، اذ لا يمكن لأحد التنبؤ والجهوزية لمواجهة تداعيات هذا السلاح، فباعتقادي لم تحدث الحرب لعدة أسباب، لكن أهمها هو الخوف من شن حرب كبيرة في العالم الحديث مما يشكل أمر خطير جداً. بالتأكيد سيفرز ذلك فائزين وخاسرين، وقد تمتد هذه الحروب وتنتقل لدول أخرى. وفي حال استخدمت الدول الأسلحة النووية، فيمكن أن تكون العواقب جسيمة ومدمرة. لذلك، لم يخاطر أي من قادة القوى العالمية بالدخول في المعركة، بينما تم إغراءهم بهدف ذلك. وفي هذا الصدد، ظهر COVID_19 كبديل جيد للغاية. ومن المعلومات المنتشرة نسبيا هذه الأيام، أن الفيروس التاجي هو نتيجة لتجارب مجموعة من المتخصصين من كل من الصين وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان التي تغلبت على مشكلة كون فيروس الخفافيش لا " يصيب " البشر، لكن منذ عدة سنوات يتم اجراء تطوير وتعديل عليه، ولمزيد من السخرية كان قد نشر هذا في مجلات الطب وعلم الأحياء المجهرية. السؤال الأهم هو، هل تم إطلاق الفيروس عمدا أو كان قد تسرب عن طريق الصدفة، أو عن طريق الخطأ؟ ولكن، حتى لو كان حادثا، يبدو أن بعض القوى قد انتظرت ذلك وتستخدمه وتستغله اليوم، كما يذكر في بعض الدوائر، علما أنني سأتطرق لاحقا لشرح نظرية الدوائر بالتفاصيل. في حين إذا شاهدنا ما حدث للاقتصاد العالمي في نهاية عام 2019، سنلاحظ أنه قد وصل بالفعل إلى طريق مسدود. وبالتالي هذه هي أعراض الحرب العالمية عادة عندما يكون الصراع من أجل الهيمنة العالمية. في الواقع، يمكننا أن نعتبر حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر أول صراع من هذا القبيل. ثم تلتها حرب السنوات السبع من 1756-1763، والحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، وأخيراً ما كنا نسميه الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لذلك في ظروف "العالم الرأسمالي، حيث أن الرأسمالية هي نظام متطور واسع الانتشار مثل العبودية قديما، وهذا ما يميزهم عن الإقطاعية، فالقوى الإمبريالية الكبرى في صراع دائم مع بعضها البعض. ماذا حدث نتيجة للحرب العالمية الأولى؟ فقد تم محو الإمكانات العسكرية الصناعية لدولتين رئيسيتين على الأقل، وفي العشرينات والثلاثينات كان محرك التنمية الاقتصادية العالمية هو استعادة الاقتصادات، وخاصة الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية وألمانيا، حيث حدث ذات الشيء بعد الحرب العالمية الثانية. وكان قد ذكر في موقع المجمع العسكري الصناعي المدمر أو المفكك عمدا ً لعدد من الدول أنه بدأت المعجزات الاقتصادية في الخمسينات والستينات: المعجزة السوفيتية والألمانية واليابانية والإيطالية ... في الواقع مرة أخرى تم استعادة التصنيع العسكري وغيرها من الصناعات الكبيرة. أي أن الحروب العالمية قد محت التصنيع العسكري السابق ووفرت منصة لبناء آخر جديد، تقريبا على مبدأ المقولة الشهيرة: "من يقفز أبعد؛ سيكون قادر على القفز مرة أخرى".
ومع ذلك، انتهت معجزة اقتصادية أخرى في الستينات. وقد ثبت مرة أخرى وعلى ذات النطاق السابق أن القتال صعب للغاية -فالعالم أصبح يمتلك الأسلحة النووية، ولكنه في الوقت ذاته استمر في التطور باتجاه الأزمة. في أوائل الثمانينيات، أبدت ثلاثة مجموعات من المتخصصين في التنبؤ الاقتصادي الأميركي نظرة مخيبة للآمال للغاية في الرأسمالية ككل. أتحدث عن مجموعات يقودها علماء، مَثل موري جيلمان الحائز على جائزة نوبل، فضلا عن الخبير المالي بيل بوينر وعالم الاجتماع راندال كولينز. كل هؤلاء الخبراء كانوا يعملون بأمر من رونالد ريغان من احتل البيت الأبيض للتو كالرئيس الأربعين للولايات المتحدة وبالتالي أعطى على الفور الأمر بتحليل الوضع للسنوات العشر إلى الاثنتي عشرة المقبلة، وقدمت المجموعات الثلاث ذات التحليل تقريباً: فالأزمة الاقتصادية العالمية ستأتي في موجتين: الأولى من الفترة 1987وحتى 1988، والثانية تمتد في الفترة من 1992 وحتى 1993، تتوزع بين 10الى 12 في المائة في الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ومن 20 الى 25 في المائة في الغرب.
هذا ما حدث، كما نعلم، في عام 1991، وقد أدى ذلك إلى تراجع الأزمة حتى عام 2008. وعلى مدى عقدين من الزمان، بدا أن الرأسمالية أخذت نفساً ثانياً من خلال تدمير ونهب النظام الاشتراكي السابق. ومع ذلك، في عام 2008، عادت ظواهر الأزمة مرة أخرى بشكل صعب وتم إغراقها مؤقتًا بالمال، ولكن الأزمة ذاتها لم تؤدي إلى أي مكان، ولا تزال أيضا مستمرة. والآن أصبح الاقتصاد العالمي، في الواقع، على شفا كارثة. وعلى النقيض من الأزمة الاقتصادية في الفترة 1929-1939 أو الركود في الفترة 1873-1896، والتي كانت نوعاً من الأزمات البنيوية، فإن نظام الرأسمالية الآن بانتظار أزمة منهجية ونهائية. وصلت الرأسمالية لنهايتها، فقد بلغت قيمة الديون على الاحتياطي الفيدرالي أكثر من ٢٣٠ ترليون دولار واحتياطي البنك المركزي لا يتجاوز ٢٣ ترليون دولار في حين أن القيمة القصوى للدخل القومي للعالم لم تتجاوز ٨٥ ترليون ان جاز اعتباره القيمة السوقية الأعلى وإن تم التخمين لمجموع الدخل القومي لكل ما هو في الكرة الارضية قاطبة. لكن بالرغم من ظهور عواقب لحرب عالمية أو ما يعادلها، يبقى الجميع أي كافة الدوائر بحاجة إلى شيء جديد، وإلى مستقبل مشرق. ومع ذلك، فإن النظام الجديد يظهر عادة في التاريخ نتيجة لحرب عالمية أو ما يعادلها.


Advertisements