الحريديم، وما أدراك ما الحريديم؟!

نشر بتاريخ: 10/05/2021 ( آخر تحديث: 10/05/2021 الساعة: 13:02 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

الحريديم، هكذا مرة واحدة، مصطلح غامض وواسع وفيه كل ما لا تتصور أصلاً، فالحريديم هؤلاء أنواع وأجناس ومذاهب ورؤى، ولكنهم يتفقون على أنهم المميزون، حاملو شعلة الحقيقة، مصلحو العالم، يشاركون في تدبير الأمور، وأنهم يسيرون حسب الخطة الإلهية التي يملكون حق تفسيرها أو حتى تغييرها. وكان يمكن لهؤلاء أن يظلوا في معتزلهم أو داخل معابدهم، وكان يمكن أن يعتصموا برفض العالم والناس والسياسة، ولكن، ما أن قويت إسرائيل العلمانية الكافرة والتي أقيمت بأيدٍ بشرية دون نزول ألمشيح أو قواته السماوية، حتى استيقظت كل أطماعالحريديم وأحلامهم وأوهامهم. فانقلبوا حتى على أفكارهم ومعتقداتهم، فتحول الحرام إلى حلال، وتحولت إسرائيل من دولة كافرة إلى دولة تقود إلى دولة الرب، وتحول جيش الاحتلال إلى حيث يقيم هذه الدولة ويؤكدها. وهكذا انتقل الحريديم من الهوامش والأطراف إلى المركز، مركز القرار والفعل وحتى بلورة مزاج إسرائيل ذاتها، أصبحت إسرائيل كلها حريدية، بمعنى أنها تريد تحقيق حلم الأجيال الضائعة والمعذبة، ولم يتحرج أكبر حزب علماني حاكم في إسرائيل من طرح أن إسرائيل دولة يهودية بالمعنى الديني والعرقي، ولهذا فهم يحولون إسرائيل كلها إلى معزل أو جيتو كبير رغم أن السوشيال ميديا حطم الحدود والانتماءات وحتى شكل العمل والسفر والأسرة.

انتصر الحريديم في اسرائيل على كل شيء، انتصرت فكرة العزل والاعتزال، وفكرة الخلاص الإلهي ودولة الرب، واعادة ترتيب العالم. انتصرت فكرة التصوف اليهودي على دولة الحداثة والليبرالية.

ازمة اسرائيل تمثلت في سموتريشوايتمار بن غفير والحاخام دروكمان من ورائهما عندما رفض هؤلاء جميعاً أن يشكلا حكومة بدعم أو مشاركة عضو كنيست عربي قدم أوراق اعتماده الكاملة.

انتصرت الحريدية في اسرائيل، انتصرت على العلمانية ألكاذبة والاشتراكية الثالثة المنافقة وعلى محاولات الاندماج وعمليات الصهر، انتصرت الحريدية على التعددية الديمقراطية المدعاة، فهي ليست تعددية حزبية بقدر ما هي تعددية عرقية واثنية.

هل نحن امام اسرائيل جديدة؟! اعتقد ذلك تماماً، نحن امام اسرائيل اخرى، أكثر انعزالاً وأكثر عنفاً وأكثر عزلاً أيضاً.

ان ما يجري في الشيخ جراح -وهو اختبار لنا، كنظام وشعب ومقاومة وعرب ومسلمين- انما يعكس تماماً العقائد الجديدة في إسرائيل، عقائد قديمة وجدت الفرصة للظهور دون رقيب أوحساب أو حتى عتاب.

الحريدية تعتقد أن هذه الأرض تم اهداؤها لبني إسرائيل حسب طابو إلهي لا يتغير ولا يتبدل على الاطلاق مهما تغيرت الأزمان أو الأحوال أو الظروف السياسية.

وقد قال منظرون يهود كثيرون أن الحريدية كانت سبباً في زوال إسرائيل القديمة، ذلك أن حركات الحريدية القديمة -ولقراءة سياسية ودينية خاطئة- اصطدمت بمصالح وسياسات روما القديمة التي غضبت غضباً شديداً فكان ما كان.. وهذا معروف للجميع!!