الصهيو-داعشية تغزو إسرائيل!

نشر بتاريخ: 10/05/2021 ( آخر تحديث: 10/05/2021 الساعة: 11:11 )

الكاتب: د. رمزي عودة



مئات العائلات الفلسطينية مهددة بالتهجير في الشيخ جراح، في الوقت الذي يستمر فيه الشباب المقدسي بهبته بقوة في ليالي رمضان، لتمتزج أصوات القنابل والرصاص مع أصوات المهللين في المساجد والكنائس، وتنشد بكبرياء نشيد الحرية. وبدا كأن حالةً من العصيان المدني ضد الاحتلال تنتشر في كل أرجاء المدينة وما حولها لتؤكد على عروبة القدس وهويتها الفلسطينية.
في ظل هذا المشهد، تستمر حكومة الإحتلال الإسرائيلية بالإعتداء على المقدسيين، وتهويد مدينتهم المقدسة، تماشياً مع أكذوبة نتنياهو وشعاره المسموم "القدس الموحدة عاصمة الدولة العبرية". وتتضمن سياسة الاحتلال من أجل تأكيد هذا الشعار؛ سياسات التطهير العرقي في منطقة الشيخ جراح، والاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى، وكأن حكومة الاحتلال في سياستها هذه ترسل رسالة للفلسطينيين بأنهم برفضهم لصفقة القرن فإن عليهم دفع ثمن التهجير من القدس. وتحت حجة الأمن ومحاربة الارهاب، يدعو "لبيد" و"بن غفير" الشرطة الاسرائيلية الى ضبط الأمن وإنهاء المظاهرات بأسرع وقت ممكن، ويصر نتنياهو على سياسته الرامية الى تهويد المدينة وإقتلاع المسجد الاقصى لإقامة هيكل مزعوم هو أقرب الى الأساطير التي طويت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، ولم يعد أحداً يصدقها سوى اليهود، وأحياناً ليس كلهم.
في الواقع، هنالك عدة شواهد بدأت في التبلور في الفكر والممارسة الصهيونية منذ نحو عقد من الزمان، وتُبرِز هذه الشواهد إنتقال دولة الاحتلال من مرحلة الصهيونية الى مرحلة جديدة أكثر تطرفاً وعنصرية. في هذا الإطار، يستغرب بيتر بينارت الكاتب الصهيوني ذائع الصيت من المنحدر الذي وصلت إليه السياسة اليمينية الإسرائيلية في عهد نتنياهو، قائلاً أنها سياسة قتلت حل الدولتين وأسقطت الحقوق الأساسية الإنسانية للفلسطينيين، وتجري قدماً في مخطط الضم، وفي ظل هذا كله ترفض أن تعطي الفلسطينيين حق المساواة مع اليهود!. وفي سياق الشواهد على عملية الانتقال التي ذكرتها سابقاً، هنالك العديد من الأمثلة مثل قانون القومية اليهودي الذي كرس مفهوم العنصرية، إضافة الى ذلك، إنحسار المفاهيم الليبرالية في دولة الاحتلال، والذي ظهر في تبني مفهوم يهودية الدولة وتراجع قيم الديمقراطية والنزاهة في الممارسة السياسية في إسرائيل، وخير شاهدٍ على ذلك قضايا الفساد الكثيرة التي تلاحق رئيس الوزراء نتنياهو منذ سنوات دون قدرةٍ لمؤسسات القانون على إحتوائها. و أخيراً، ظهر جلياً تحول المجتمع الاسرائيلي الى اليمين وتراجع قوى اليسار في الخارطة السياسية، بل إن أحزاباً عنصرية تدعو الى التطرف والعنصرية والكراهية أصبحت ممثلة لأول مرة في إنتخابات الكنيست الأخيرة مثل قائمة الصهيونية الدينية.
ومع بروز هذه المؤشرات في الهوية الصهيونية الفاعلة في دولة الاحتلال، بدت هذه الدولة تتحول الى شكلٍ جديد من الصهيونية وهو ما أسميه بالصهيو-داعشية، هذا الشكل لا يختلف كثيراً عن الداعشية التي ظهرت في الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ربما يكون الإختلاف في مظهر القيادة وليس في جوهر منطقها. فالفريقين يدّعيان إمتلاك الحقيقة المطلقة، ويقومان بقتل الآخر ونفيه، ويدّعيان الإصطفاء والتميز، ويختاران العنف كوسيلة للسياسة، ويقتلان المدنيين ويقومان بالتطهير العرقي، ويعتمدان على الدين في تبرير سياستهمها. هذا الفكر الداعشي بدأ يبرز بشكل واضح في الصهيونية الحديثة، ونجد أركانه قائمة في إستمرار سياسة التنكيل وقتل المدنيين وسياسات التهويد والتطهير العرقي التي تقوم بها قوات الأمن الاسرائيلية وقطعان المستوطنيين بحجج دينية وعنصرية مختلفة. وبالرغم من إحتجاج العالم كله على هذه السياسات الداعشية الصهيونية تستمر إسرائيل في سياساتها هذه لسبب بسيط؛ هو أن هذه السياسات هي مصدر شرعيتها الأيديولوجية والفكرية، وتخليها عنها يعني إنهيار الصهيونية الجديدة. وفي الوقت الذي أدت سياسات داعش في العراق وسوريا الى إنتشار الفوضى والقتل والتهجير، وهي نفس النتيجة التي ستحدث حتماً في المنطقة نتيجة سياسات الصهيونية الجديدة، فان العالم كله دفع ثمن سياسات داعش هذه، وسيدفع ثمناً أكثر تكلفة نتيجة لسياسات الصهيو- داعشية. ولن يكون بالإمكان السيطرة أو إحتواء هذه السياسات المارقة إلا بحرب تشترك فيها العديد من الدول الإقليمية والعالمية. وبالمحصلة، فإن إسرائيل التي لم تتعلم درس داعش جيداً، ستدرك حتماً أن الصهيونية الجديدة التي تقوم عليها تحمل بذوز فنائها، وأن عليها أن تتوقف عن التصرف بعنجهية في المنطقة وكأن الرب يهودي!.