تنسيق إنساني أم أمني؟

نشر بتاريخ: 11/07/2021 ( آخر تحديث: 11/07/2021 الساعة: 14:10 )

الكاتب:

د. رمزي عودة

بعد إنتهاء العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة، فرضت حكومة الإحتلال الإسرائيلي قيوداً جمة على قطاع غزة المحاصر منذ نحو 15 عام. ومن هذه القيود تقليص مساحة الصيد الى 6 ميل، وفرض قيود إضافية على إستيراد القطاع للمواد والسلع ثنائية الإستخدام (المدني والعسكري)، وبرز من أشد هذه القيود الجديدة ما أعلنه "غينتس" وزير الدفاع الاسرائيلي حول تقييدات جديدة على المنحة القطرية للقطاع.

من المعروف أن الحكومة القطرية تقدم نحو 30 مليون دولار شهرياً كمساعدة لقطاع غزة، وقد إرتبطت هذه المساعدات أساساً بتفاهمات التهدئة بين حماس واسرائيل، وذلك بهدف تشجيع الهدنة المتبادلة بين الطرفين. وقد وافقت مسبقاً حكومة نتنياهو على تسهيل مرور المنحة القطرية الى القطاع منعاً لإنفجار الأوضاع المعيشية هناك. وبررت حكومة نتنياهو عدم ممانعتها لهذه المنحة بأنها تتضمن شروطاً بتعهد حماس بعدم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة. ومع نهاية حقبة نتنياهو وإشتعال المنطقة بعد تجدد جرائم الاحتلال في الشيخ جراح والمسجد الاقصى، فإن حكومة الإحتلال أعلنت عن وقف تمريرها للمنحة القطرية بحجة أنها تستخدم في تعزيز المجهود العسكري لحركة حماس. وبالفعل، وفقاً لما أعلنته قناة "كان" العبرية، مساء الأحد الماضي، تم التوافق مؤخراً عن تمرير هذه المنحة وفقاً لشروط إسرائيلية جديدة، تتلخص في توسيع مساحة الدول المانحة لإعادة إعمار غزة لتشمل دولاً أوروبية لا تعترف بحركة حماس، كما تتضمنت الشروط الجديدة موافقة جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" على بنود صرف هذه المنحة، وفي إطار القيدين السابقين، إشترطت إسرائيل إشراف الأمم المتحدة على صرف أموال إعادة الأعمار؛ على أن يتم توزيع الأموال من خلال بنوك تخضع لقوانين سلطة النقد الفلسطينية في رام الله. بالمحصلة، تهدف هذه الشروط جميعها الى منع إستفادة حركة حماس من هذه الأموال.

بالمقابل، هنالك دلالات ونتائج مهمة ستنتج عن قبول حركة حماس لهذه الشروط لاسيما فيما يتعلق بموافقة "الشاباك" على بنود هذه المنحة، ومن أهم هذه الدلالات:

أولاً: إستحالة حصول عناصر المقاومة أو عائلاتهم والأسرى وعائلات الشهداء على أي دعم من هذه المنحة، بما سيؤدي الى تغيير الدور الوظيفي لسلطة الأمر الواقع لحماس في القطاع الى سلطة خدماتية بالأساس.

ثانيا: توفير حركة حماس كل المعلومات الضرورية حول بنود الصرف والمستفيدين ومجالات الصرف والآليات المستخدمة بما فيها معايير الصرف. بحيث يتم نقل هذه المعلومات عبر الوسطاء الدوليين الى مسؤولي الأمن الاسرائليين، والتي ستساعدهم في تحديد قراراتهم النهائية بشأن الموافقة على الصرف لكل بند على حدة.

وبالنتيجة، يبدو أن مرحلة جديدة في إدارة العلاقات بين حماس وإسرائيل بدأت تتشكل، عنوان هذه المرحلة الإنتقال من التنسيق الإنساني المتعلق بتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني في القطاع الى مرحلة ما يمكن تسميته بالتنسيق الأمني أو شبه الأمني. صحيح أن هذا التنسيق سيتفعل من خلال وسطاء، الا أنه فرض على حماس التوافق مع المتطلبات الأمنية لدولة الاحتلال بما فيها توفير المعلومات، كما فرض عليها ضرورة قبول المعايير الدولية للتمويل والتي تتضمن مكافحة الارهاب ومكافحة غسيل الأموال. وفي المحصلة، يبدو أن حماس المنهكة من الحرب الأخيرة ستقبل هذه الشروط الجديدة بما فيها شرط التنسيق الأمني مع الاحتلال. وبالضرورة، ستخضع مسألة إعادة إنتاج البراغماتية السياسية لهذه الحركة لإختبار جديد، ولكنه صعب في هذه المرة. ولن يكون هنالك أي حل لهذه الجدلية الا من خلال قبول حماس لتوزيع أموال إعادة الاعمار بما فيها المنحة القطرية من خلال السلطة الوطنية الفلسطينية وقنواتها المالية بإعتبارها السلطة الشرعية التي تحظى بالقبول الدولي والوطني. وسيكون قبولها هذا ان تم مؤشراً ضرورياً على إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.