الإحسان للأسرى واحترامهم في اتفاقية جنيف الثالثة والتشريع الإسلامي

نشر بتاريخ: 12/09/2021 ( آخر تحديث: 12/09/2021 الساعة: 11:47 )

الكاتب:

الدكتور سهيل الاحمد

عميد كلية الحقوق في جامعة فلسطين الأهلية

إن حسن معاملة الأسرى وزرع عوامل الإحسان إليهم من المعاني العظام التي حرص التشريع الإسلامي على تحقيقها، حيث ينبثق ذلك من النصوص والمباديء الشرعية، لقوله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"( سورة الأنفال: الآية 70)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالأسارى خيراً"، وبهذا يظهر كيف أن النصوص الشرعية قد جاءت برعاية الأسرى وحمايتهم من جميع صور التعذيب وما يؤثر على كرامتهم الإنسانية، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن أسرى بني قريظة: "لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ، قَيِّلُوهُم، وَاسْقُوْهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا"، وبخصوص تعذيب الأسير قيل للإمام مالك: أيعذب الأسير إنْ رُجِيَ أن يدل على عورة العدو؟، قال: ما سمعت بذلك". وهذا يدل على مدى اهتمام التشريعات الإسلامية بالأسرى ومنع الاعتداء عليهم وتعذيبهم بكل الصور ووفق القواعد العادلة التي تدعو إلى معاملتهم معاملة حسنة تنبثق من النصوص الشرعية. ولهذا نصت اتفاقية جنيف الثالثة في المواد (13، 14، 15، 16) منها على؛ ضرورة المعاملة الحسنة للأسير ووجوب ذلك في كل الأوقات وخاصة إذا تعلق ذلك بإيذائه وتعذيبه سواء أكان الأسير ذكرًا أم أنثى. حيث جاء في نص المادة (13): يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، ويحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبب موت أسير في عهدتها، ويعتبر انتهاكا جسيمًا لهذه الاتفاقية، وعلى الأخص، لا يجوز تعريض أي أسير حرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان مما لا تبرره المعالجة الطبية للأسير المعني أو لا يكون في مصلحته، وبالمثل، يحب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات، وعلي الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير، وتحظر تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب. وفي نص المادة (14): "لأسرى الحرب حق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال. ويجب أن تعامل النساء الأسيرات بكل الاعتبار الواجب لجنسهن. ويجب علي أي حال أن يلقين معاملة لا تقل ملاءمة عن المعاملة التي يلقاها الرجال. يحتفظ أسرى الحرب بكامل أهليتهم المدنية التي كانت لهم عند وقوعهم في الأسر. ولا يجوز للدولة الحاجزة تقييد ممارسة الحقوق التي تكفلها هذه الأهلية، سواء في إقليمها أو خارجه إلا بالقدر الذي يقتضيه الأسر". وفي المادة (15): تتكفل الدولة التي تحتجز أسرى حرب بإعاشتهم دون مقابل وبتقديم الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم الصحية مجانا. وتقول المادة (16): "مع مراعاة أحكام هذه الاتفاقية فيما يتعلق برتب الأسرى وجنسهم، ورهنا بأية معاملة مميزة يمكن أن تمنح لهم بسبب حالتهم الصحية أو أعمارهم أو مؤهلاتهم المهنية، يتعين علي الدولة الحاجزة أن تعاملهم جميعا علي قدم المساواة، دون أي تمييز ضار علي أساس العنصر، أو الجنسية، أو الدين، أو الآراء السياسية، أو أي معايير مماثلة أخرى". وبهذا يظهر أن اتفاقية جنيف الثالثة قد اتفقت مع ما ذهبت إليه التشريعات الإسلامية من وجوب معاملة الأسير معاملة حسنة وضرورة احترامه، وذلك لإظهار أهمية الكرامة الإنسانية للأسير وتحقيق الرعاية اللازمة له من جميع جوانبها بما يحفظ للإنسانية حقها في الحياة الكريمة وبالتالي تحصيل مصالحها المطلوبة.