قلت له :حسنا أراك لاحقا.. فقال: لن تراني بعد اليوم ومات

نشر بتاريخ: 29/09/2021 ( آخر تحديث: 29/09/2021 الساعة: 12:46 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

يوم اّخر من أيام العمل الرتيبة في مهنة المتاعب. أخبار تتشابه في المضمون وتختلف في العناوين. نفس القادة كل يوم، لكن بربطات عنق مختلفة وفي عواصم جديدة. نفس العوام والمتفذلكون يقولون أي شيء عن أي موقف .
نزلت من السيارة الى البقالة على طريق القدس. كان هو يقف عند المحاسب يريد أن يدفع ما استحق عليه . لم يتغير كثيرا ، كنا معا في أول خلية تنظيمية ، وشارك معي في أولى عمليات العمل السري والمقاومة الشعبية. ألقيت التحية ووقفت الى جانبه، تبادلنا الابتسامات وأردت ان أمضى في سبيلي. فقلت له : حسنا أراك لاحقا. فأجاب: لا لن يحدث هذا. لن تراني بعد اليوم .
بين الصحو وبين الخدر.. وبتردد طويل سألته بصوت منخفض "لماذا يا رفيق؟ "، فقال بصوت مرتفع ومعنويات عالية: سوف أموت في الربيع، ليس الربيع في العام القادم بل هذا الربيع. ثم ابتسم بشكل أوضح.
البائع لم يتوقف عن عد النقود، والزبائن تجمدوا داخل ثيابهم، ثم انحنوا بأجسادهم ليستمعوا الى كلامه الصادم .
حين أفقت صباح اليوم لم أتوقع ان يحدث هذا معي. خرجت معه من البقالة محاولا التماسك، ولكنه ظل يتحدث بأشياء جميلة وإيجابية بلا توقف، وكأنه يساعدني على تجاوز مرحلة الصدمة بطريقة أسهل .
قال : الحياة لم تكن سيئة الى هذه الدرجة لكنها لم تكن طويلة ولا كافية لأحلامنا.
فقدت كل مهاراتي في الكلام وفي التواصل الاجتماعي، وبقيت واقفا مثل شجرة. فخرجت الكلمات من فمي دون وعي: هل أستطيع ان أفعل أي شيء !!.
قال: أنا طبيب وأقول لك انك لن تستطيع ان تمنع الموت المحتم. وضحك من قلبه بصوت عال ومضى .
وصلت الى البيت ولم ابلغ أحد بما حدث معي. خبأت القصة الفاجعة في خانات الظن الضبابية.
بعد أقل من شهرين قرأت تعزية من الجبهة الشعبية بوفاة الرفيق . ذهبت الى خيمة العزاء وجلست في الصفوف البعيدة واجما صامتا وحزينا .