الأهواء الشخصية بين الإشكال الفكري والاضطراب في الأحكام

نشر بتاريخ: 20/10/2021 ( آخر تحديث: 20/10/2021 الساعة: 22:31 )

د . سهيل الاحمد

قد يستغرب بعضهم أو يستهجن فيسال، كيف يمكن للهوى النفسي أن يؤثر في طبيعة الإنسان وفكره والتجانس المحوري في البناء الأساس لصدور الأحكام وفق أدلتها؟ وقد يسأل أيضًا كيف يمكن الأخذ بالمنهج المعتبر في التعامل معها وبالتالي صدور الأحكام بموضوعية وعدالة؟، وقد يأتي جواب يخاطب هذا السائل والمنصف بقوله ألا يستغرب ذلك بل وألا يستهجنه حتى، لأن الأصل فيه عدم إغفال هذه الحقيقة، حيث نهانا الله سبحانه وتعالى عن اتباع الهوى وملازمته وجعله معيارًا لبناء القناعات والتصورات، عندما بين ألا نتبع الهوى الذي سيضلنا عن سبيل الله"، وأظهر أن من خاف مقام ربه ولم يتبع الأهواء فإن له جنتين، فالهوى رقة في القلب، وغل في العنق، وقيد في التصرف والسلوك، وهو داء ودواؤه مخالفته، حيث يهوي بصاحبه إلى أسفل سافلين، ويوقعه في ضلالات وتناقضات لا تحمد عقباها، وبالتالي لا يجعل رأي متبعه في موضع القبول، وإنما يُلجأه إلى الكلام المعسول الذي يدعم النفاق ويؤسس لمرحلة تبني شعار المصلحة الشخصية وتقديمها على المباديء الثابتة والقيم الراسخة التي يرغب بالوصول إليها وبالتالي إرساء قواعدها في كل وقت وفي كل حال، فالهوى يوهن العزائم ويورث الخذلان، ويغلق باب التوفيق، ويضل عن سواء السبيل، ولذلك فإن نصر الهوى يعني ذهاب الرأي، وزوال الحكمة وضعف القيم وابتعاد الناس عن الحق.

والغالب لهواه والمسيطر عليه سيكون أكثر عزماً وأقوى قلباً وروحًا وجسداً، وفي مخالفة الهوى والثبات على ذلك والصبر عليه توجب لمرتكب ذلك شرف الدنيا والآخرة، ونوال عز الظاهر والباطن، لتحقق الصدق والتأكد من عمق البصيرة، وحصول المعرفة بأن هذا هو منهج العلماء والمنصفين، والمرغبين والمحبين. وفي هذا المقام لا تنس مسألة مهمة مفادها: أنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ أيضًا ما تؤمّل إلا بالصبر على ما تكره، وأن الأصل في التعاليم القيمية والحضارية أن متبع الهوى لا يطاع، ولا يصير إلى رأيه وموقفه دون رجوعه إلى القواعد المعتبرة في الأخذ من العلوم والمسائل والتشريعات، وقد تم تقرير هذا الأصل من خلال الآية الكريمة التي تقول: "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه".