في ذكرى الميلاد وفق التقويم الأرمني ، مؤشرات حول واقع الأرمن ودورهم في فلسطين .

نشر بتاريخ: 18/01/2022 ( آخر تحديث: 18/01/2022 الساعة: 13:25 )

الكاتب: مروان أميل طوباسي

وجب التأكيد بداية وبعد تقديم التهاني لإخواننا الارمن بفلسطين والاصدقاء منهم حول العالم في ذكرى ميلاد المسيح وفق تقويمهم ، والذي تنطلق الاحتفالات به اليوم من كنيسة المهد في بيت لحم، بأننا نحن الفلسطينين الذين ما زلنا ضحية الظلم التاريخي الاستعماري بحقنا منذ عام ١٩١٧ ، لسنا مع طرف ضد طرف اخر فيما جرى هنالك او ما يجري من خلاف ونزاع بين الاذر والارمن والذي ما زالت تداعياته قائمة ،لكننا نقف وفق سياساتنا الثابتة ضد الاعتداء على الشعوب واراضيها ومع نصوص القانون الدولي وتطبيق القرارات الأممية لحل النزاع وفرض السلم والأمن الدوليين أينما كان في هذا العالم على قاعدة وحدة اراضي الدول وسيادتها وحرية وحق شعوبها في تقرير المصير .

لكن إسرائيل التي ترى في نفسها دولة فوق القانون، ترغب في أن تكون جزء من اي لعبة سياسية توسعية في هذا العالم ، وهي فعلا تريد او عليها ان تكون بحكم مبررات نشأتها الاستعمارية وروايتها التوراتية المزعومة ، جزء من تنفيذ خطط سياسة التطرف والتوسع وتغير الجغرافية السياسية بالمنطقة خدمة لاهدافها ولمنهج التوسع الاستعماري واضطهاد الشعوب ، فتتدخل حتى أمنيا وعسكريا في مناطق مختلفة بالعالم في القوقاز وبالبلقان وأمريكيا اللاتينية وشرق المتوسط ضمن الدور المطلوب منها لإثارة الفوضى وتنفيذ تلك المخططات .

الأرمن بالعام الماضي قد وجهوا الاتهام لدولة الاحتلال بالمشاركة في جريمة الحرب التي ترتكب بحق وطنهم الأصلي ، اتهام جديد اضاف الى التهم الموجهة لدولة الاحتلال الإسرائيلي التوسعية التي ارتكبت وما زالت المجازر وجرائم الاحتلال والفصل العنصري ضد شعبنا الفلسطيني منذ النكبة ، ويُسقط هذا الاتهام الجديد رغبة إسرائيل في أن تبقى هي الضحية الوحيدة امام العالم ، فيما تدعيه هي من ارتكاب جرائم الابادة الجماعية بحقها .

اذكر ان الأرمن الذين اتهموا دولة الاحتلال خلال العام الماضي بالمشاركة بالحرب ضدهم ، تظاهروا أمام سفارة إسرائيل في العاصمة اليونانية أثينا عندما كنت أقيم بها سفيرا لبلدي، تنديدا بسياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي العدوانية الاجرامية ضدهم.

الأرمن كان عدد كبير منهم ومنذ تاريخ طويل يشكلون جزء من نسيج مجتمعنا الفلسطيني خاصة بالقدس ورام الله، كان منهم الصديق الشهيد ارتين الذي سقط برصاص الاحتلال بالانتفاضة الأولى مقابل صيدليتنا برامالله ومنهم الصديق الأخ السفير مناويل حساسيان ونقيب صيادلة القدس ألمرحوم نوبار ارسنيان ، وكذلك رواد الصناعة الفلسطينية في رام الله الاصدقاد عائلة ماردورسيان أصحاب مصنع شوكلاتة "سلفانا "، وعائلة اوهنسيان أصحاب اول مصنع لمناديل الورق "تاكو" بفلسطين، كذلك الصديق ألمرحوم المناضل الوطني البيرت اغازريان المسؤول السابق عن الإعلام بجامعة بيرزيت واحد رجالات القدس الوطنين ، وبطل كرة الطاولة الفلسطيني اوهان بليان والكثير من المصورين والصاغة والموسيقين الارمن وغيرهم الكثيرين ، وهم اول من مارس صناعات الطباعة والصياغة والتصوير وصناعة البلاط في يافا والقدس ورام الله ، وتتلمذ على اياديهم الكثير من ابناء شعبنا، ولهم بالقدس حي يُسمى باسمهم "حي الأرمن" ، هذا الحي الذي رفض الرئيس الشهيد المؤسس أبو عمار التفاوض بخصوصه او التنازل عنه ، واعتبر اسمه " ياسر عرفتيان" انذاك تأكيدا منه على هوية الأرمن الفلسطينين والتصاقهم بقضايا شعبهم الفلسطيني والدفاع عنه.

هؤلاء الأرمن الذين عاشوا بيننا ومعنا، اعتبروا أنفسهم واعتبرناهم نحن، جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، عانوا من المجازر والتشريد والتهجير وعانوا معنا ما عانينا نحن منه ، وهو سبب يجعل الأرمن يتمسكون بوطنهم الأصلي «أرمينيا» ويحافظون على لغتهم وعاداتهم وثقافتهم أينما كانوا في هذا العالم بعد تشريدهم ، وفي الوقت نفسه يعتزون هنا بأنهم فلسطينيون وجزء لا يتجزأ من المجتمع المقدسي تحديدا ، ولهم بطريركية خاصة بهم بالقدس حيث تمتد جذورهم في فلسطين إلى 1700 عام مضت، فهم فلسطينيون أباً عن جد، يتمسكون بجذورهم.

أن عدد الأرمن في فلسطين يبلغ الان حوالي 7000 نسمة يتوزعون بين القدس القديمة وبيت حنينا وشعفاط ورام الله وبيت لحم والمدن الساحلية في حيفا وعكا ويافا وفي الناصرة وقد جاءت المجموعات الكبيرة منهم إلى القدس ضمن هجرة واسعة الى بلاد الشام بعد تشريدهم من ديارهم الأصلية عام 1915 وفق روايات التاريخ ووقائعها ، والتي زادت من اعدادهم بفلسطين واندماجهم في مجتمعنا الإنساني المتعدد .

إن الأرمن انهمكوا على مدار العقود السابقة في أن يكونوا جسورا بين شعوب المنطقة، لكن سياسة الاحتلال الإسرائيلي تعمل على نسف الجسور الممدودة، ذلك أن سياستها واضحة تتمثل في الاعتداء على ممتلكاتهم واوقافهم بالقدس في إطار الاعتداءات المستمرة ضد المقدسات وهوية القدس التاريخية ومواصلة الاستيطان الاستعماري من أجل فرض التهويد على المدينة المقدسة ورفض قيام الدولة الفلسطينية ومواصلة القهر ليس فقط ضد شعبنا الفلسطيني ، لكن ضد كل من تطالهم سياساتها الخارجية الاجرامية.

هذا الاتهام أصبح مفتوحا ضد إسرائيل، ويزيد من عزلتها التي تعيشها أمام المجتمع الدولي وشعوبه ، وتواجه إسرائيل منذ فترة الانتقادات الدولية بسبب جرائمها وانتهاكاتها كدولة مارقة تنتهك حقوق الإنسان وتمارس القتل والاستيطان والتميز العنصري كدولة احتلال وابرتهايد ، حيث لن تنقذها لا المشاركة في توسيع اعتدائاتها وطول يدها القذرة الضاربة او توقيع اتفاقيات التطبيع المذلة في محاولة منها للتهرب من استحقاق القانون الدولي والسلام الحقيقي وإنهاء الاحتلال الاستيطاني .