أغار من نسمة الجنوب

نشر بتاريخ: 22/06/2022 ( آخر تحديث: 22/06/2022 الساعة: 17:50 )

الكاتب: منجد صالح

هذا مطلع أغنية بديعة لأم كلثوم بعنوان "الغيرة": "أغار من نسمة الجنوب على مُحيّاك يا حبيبي ..وأحسد الشمس في ضحاها .. وأحسد الشمس في الغروب .. وأغبط الطير حين يشدو على `ذرى غصنه الرطيب .. فقد ترى فيهما جمالا .. يروق عينيك يا حبيبي .. يا حبيبي " .....

يا إلهي ما أجمل هذه الكلمات، ما أجمل هذا الشدو، ما أجمل هذا الغناء، ما أجمل هذا الكروان،.. وخاصة ونحن الآن في هذا الزمن الفنّي "الغنائي" الذي نعيشه، المدبوز بكل ما هبّ ودبّ وتشبّه بمعرفة الغناء، الذي هو في الحقيقة والواقع"هزّ أكتاف وهزّ أرداف وهزّ مؤخّرة و ... "رجب حوش صاحبك عنّي، رجب صاحبك حيجنّني!!!!!"(هيفاء وهبي) ، و"الطشت قال لي الطشت قال لي، يا حلوة يا إلّي قومي استحمّي"، ما شاء الله على هالردح الغنائي!!!!

أين نحن من أيّام وغناء الزمن الجميل، زمن "يا فؤادي لا تسأل أين الهوى كان صرحا من خيالٍ فهوى... اسقني واشربي على اطلاله .. وارو عنّي طالما الدمع روى .. كيف ذاك الحبّ امسى خبرا وحديثا من احاديث الجوى " ....

زمن أم كلثوم ورُباعيّات الخيّام: "سمعت صوتا هاتفا في السحر .. نادى من الغيب غُفاة البشر .. هُبّوا املؤوا كأس الطلى قبل أن تفعم كأس العمر كفّ القدر " .....

في زمن الغناء الجميل في الستينيّات والسبعينيّات كانت أمّ كلثوم تقيم وتُغنّي حفلة واحدة في الشهر في القاهرة، يحضر هذه الحفلة المعجبون من كافة الدول العربيّة، يأتون خصّيصا من أجل حضور الحفلة الراقية. وكنّا نشاهد في صالة المسرح الفسيحة مترامية الاطراف وهي تعجّ بالحضور من جنسيّات متعدّدة، فترى المصري إلى جانب الخليجي إلى جانب التونسي والمغربي والعراقي والاردني،.. حفلة مختلطة راقية بديعة بحضورٍ راقٍ، همّهم الوحيد الفريد الاستمتاع بصوت أمّ كلثوم وغناء أمّ كلثوم وشدو ام كلثوم.

جمال عبد الناصر الزعيم المصري والعربي الكبير كان من أشدّ المعجبين بام كلثوم.... ويُقال انّه في احدى اجتماعات مجلس قيادة الثورة المصرية، تمّ الحديث في السياق عن أم كلثوم، فتفلسف أحد أعضاء القيادة واستنكر ذكر أم كلثوم في اجتماع هام لمجلس قيادة الثورة وعلّق قائلا ان المعجبين الذين يحضرون حفلات أم كلثوم معظمهم من السكارى والحشّاشين!!!

استفز هذا الكلام جمال عبد الناصر وأجابه:

أنا واحدٌ من المعجبين بأم كلثوم....

فاعتذر العضو للرئيس عبد الناصرعن تفوّهاته.

وما زال رنين شدو أمّ كلثوم يملأ الفضاء الفسيح بالجمال والحسن: "أغار من نسمة الجنوب على مُحيّاك يا حبيبي" ....

حتى أنها هنا أعطت لونا وطعما ومعنى جديدا فريدا سعيدا للغيرة ....

كاتب ودبلوماسي فلسطيني