الجمعة: 07/10/2022

نظام النظافة والطهارة المادية والمعنوية من القيم الحضارية في المفهوم الشرعي

نشر بتاريخ: 12/08/2022 ( آخر تحديث: 12/08/2022 الساعة: 15:50 )

الكاتب:

د. سهيل الاحمد

إن نظام النظافة والطهارة من القيم والقضايا الجوهرية التي لا يمكن إهمالها أو التجاوز عنها في التشريع الإسلامي، أو حتى الابتعاد عن معرفتها والاهتمام بها، فهي مكون أساس من مكونات الإيمان التي ترتبط بعقيدة المسلم، حيث تلزمه أن يعمل بها ببعدها الشرعي إضافة إلى البعد القيمي والحضاري الذي يحرص على وجوده وتطبيقه في تنظيمات ومفهوم الدول والمجتمعات الإنسانية كافة، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان".

وقد اهتم التشريع الإسلامي بالنظافة والطهارة في جوانب حياة الإنسان المادية منها كطهارة الثوب والبدن من خلال قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وكذلك جانب حياته المعنوية من سلامة القلب وحفظ اللسان، فمن لا يكذب من الناس فهو نظيف اللسان، ومن تجنب الاعتداء على حقوق غيره فهو نظيف اليد حيث روى أَبِو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَامَتَاع، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا،وَقَذَفَهَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبِر بطر الحق وغمط الناس".

ولهذا جاء اهتمام التشريع الإسلامي بالنظافة والطهارة وفق مظاهر تعلي من قدر ذلك وتركز على أهمية معرفة الأحكام الشرعية العملية وأثر النظافة والطهارة فيها من حيث الشكل والمضمون، وذلك فيما يأتي:

*النظافة والطهارة من السمات التي تجعل ملتزمها ينال محبة الله تعالى ورضاه، وهي دلالة على صحة المقصد وصلاح العمل وملازمة تقواه سبحانه في الفهم والسلوك والطبيق العملي، حيث يقول تبارك وتعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]. ومن هنا كانت تعاليم الإسلام بمثابة تدابير شرعية للمحافظة على الصحة وتعمل على تحسنيها؛ وذلك لأنها تدعو إلى الاعتدال في الأكل والشرب وتفرض النظافة والاغتسال بالماء الطاهر خمس مرات في اليوم من خلال الوضوء قبل كل صلاة.

* الطهارة والنظافة من الشروط الواجب توفرها في بعض العبادات وخاصة الصلاة حيث شرع الوضوء لصحتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

*إن تشريع الإسلام التيمم للطهارة والصلاة ــــ عند فقد الماء وعدم القدرة على استعماله ـــــــ دلالة على أهمية وجود نظام النظافة والطهارة في التشريع الإسلامي بجميع صوره وأشكاله حتى لو لم يتوفر العنصر الأساس فيه وهو الماء، فقد قال تعالى بشأن ذلك: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]. يقول ابن القيم: "كيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية، قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه"

*وتعد الطهارة والنظافة من جملة نعم الله تعالى على عباده وعلى العالمين، فهو سبحانه عندما أمر بالتزامها ومراعاتها في جوانب العبادات والتصرفات والسلوك لم يجعلها من التكليف فوق الطاقة بل هي من تمام النعمة وشكر الله تعالى على بيانه ما يصلح صحة الإنسان ويراعي سلامة الأبدان، وبالتالي العمل على دوام ذلك، بتحقيق مبدأ رفع الحرج ومنع ما يشق على النفس كم تكاليف وتشريعات، امتثالًا بقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، أي أن هذه الطهارة التي أمرتم بها من النعم التي تستحق الشكر ولا تدخل في باب الإرهاق والتكليف بغير المستطاع كما جاء في هذه الآية الكريمة.

ومن جملة التشريعات التي تظهر أهمية نظام الطهارة والنظافة في المفهوم الشرعي أن جعلها من الأمور التي تحافظ على صحة الزوجين وتبعد عنهم الأذى والضرر الممنوع وقوعه شرعًا وعرفًا، فلا يجوز إتيان الزوجة الحائض لتحقق الإيذاء حين القيام بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

ولا بد من البيان أن نظافة القلب ونقاءه من الأمراض كالحسد والبغض والغيرة ونحو ذلك المكدرات والمنغصات هي من الأمور المهمة لصلاح النفوس وتهذيبها وبالتالي علاجها مما يضعف قدرتها على التقدم والتغيير بالتطوير، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا عمد الإنسان إلى أن يعمر قلبه بالإيمان المعالج لهذه الأمراض، ثم أن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يبتعد كذلك عن الكبر والتكبر ومظاهر الازدراء والسخرية ورؤية الحال دون مراعاة للتواضع الذي يرفع قدر الإنسان ولا ينقص من قدره شيئًا، مع أهمية أن يتوج ذلك بتجريم الغيبة والنميمة والإضرار بالغير في متعلقاتهم العملية والسلوكية، ونحو ذلك من الأمراض التي تفتك بالقلوب والأفراد والمجتمعات سواء أكانوا عامة أم خاصة، أفرادًا أم مسؤولين، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان". ويقول صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن " أو تملأ " ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجه لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها".