الثلاثاء: 27/09/2022

عبقرية الفشل

نشر بتاريخ: 14/08/2022 ( آخر تحديث: 14/08/2022 الساعة: 14:30 )

الكاتب: السفير حكمت عجوري

لفت انتباهي كثيرا عنوان كتاب للراحل القائد المفكر خالد الحسن وهو"عبقرية الفشل" ومع انني لم اقرأ الكتاب ولكن كما يقول المثل يُقرأ المكتوب من عنوانه وسؤالي هنا وبعد كل هذه السنين من الصراع مع المحتل الصهيوني وما وصلنا اليه من وضع لا نحسد عليه هل اصبحنا عباقرة في الفشل ؟.

الصراع الاسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ ما يزيد عن القرن يبدو انه تحول الى صراع غير قابل للحل والسبب هو أن العوائق التي تمنع هذا الحل حتى بشكل معقول بمعنى الحل الممكن وليس المطلق اصبحت تضاهي الصراع نفسه لدرجة اننا اصبحنا نهرب الى الامام كوسيلة قد تمنحنا جرعة مخدرة تمكننا من تحمل اوجاع وعذابات استمرار الصراع او بالاحرى الاحتلال وجرائمه .

اذ بالاضافة الى كل ما يفعله الاحتلال من اجل بقاءه جاثما على ارضنا وصدورنا بادارته للصراع وليس حله اضفنا الى ذلك من جانبنا فشلنا في توظيف ما اتيح من ادوات للحل وبسبب هذا القشل صار المتاح جزأٍ من استمرار الصراع بمعنى ان هذا المتاح للحل اصبح هو المشكلة وذلك بعد ان ارتضينا بالسلطة كحل مرحلي يقينا من اوجاع الاحتلال المزمنة ولكن وبسبب فشلنا في توظيف المتاح لحل ممكن في الوقت المناسب جعل من الحل المرحلي دائم خصوصا وان السلطة تمكنت من خلق كل مقومات الدولة واعتراف معظم دول العالم بها الا انها وللاسف ما زالت سلطة او كما يراها البعض دولة ولكن من غير سلطة ومن غير سيادة.

وللتوضيح اكثر لما سبق لا بد من استعراض ما هو المقصود بالمتاح للحل اذ بعد صراع استمر عقود وفشل اي من طرفي الصراع في حسم انهاء الصراع لصالحه بالقوة تم اللجوء الى التفاوض كوسيلة متحضرة اثبتت نجاحات في صراعات اخرى الا انها فشلت بجدارة او بالاحرى تم افشالها بجدارة من قبل الطرف الاسرائيلي المحتل كونه المستفيد من ذلك ولكن ايضا بمساعدة جزئية او غير مباشرة من قبل البعض منا وتحديدا حركة حماس التي ساهمت الى حد كبير في افشال المتاح عن طريق عملياتها التفجيرية (الاستشهادية) وتداعياتها التي مهدت الطريق لانتصار اليمين المتطرف في دولة الاحتلال وهو الذي ما زال يحكم ويدير الصراع ويحدد بجدارة قواعد الاشتباك لصالحه ضمن معادلة لا تسمح لاي وسيلة غير صهيونية بانهاء الصراع على الاقل في المدى المنظوربمعنى المدى الذي تتحكم في مفاصله فلسطينيا فصائلنا او ما تبقى منها وهذا ليس انتقاصا من الدور الوطني الذي نعتز به لهذه الفصائل ولكن انتقاصا من قدرتها على التفريق ما بين الثورة ومتطلباتها والدولة ومؤسساتها بمعنى فشلها وعلى راسها حركة حماس في استغلال الظرف الذي توفر لغاية ما قبل وصول النتن ياهو الى دفة الحكم.

حركة حماس تأسست من اجل ان تكون البديل لمنظمة التحرير الفلسطينية وذلك خدمة لاهداف بعيدة المدى ولكنها غير فلسطينية وبذلك تقاطعت مصالحها مع المصلحة الصهيونية التي كانت وما زالت ترى في منظمة التحرير عدو وجودي ولكن ما حصل في اوسلو جمد هذه الفرضية وضرورة القضاء صهيونيا على منظمة التحرير نظرا لما حققته المنظمة من مصداقية سياسية على الصعيدين العربي والدولي كممثل شرعي وحيد للشعب الفسطيني ولكن ذلك لم يردع حماس عن القيام بهذه المهمة غير الوطنية، بدليل ان حماس لم تتوقف لحظة تخطيطا وفعلا من اجل ان تكون البديل للمنظمة ، حيث كانت البداية بالعمليات التفجيرية ومرورا بالانقلاب على الشرعية سنة 2007 واخيرا وليس اخرا الانقلاب على حركة الجهاد الاسلامي الشريك لحماس فيما يطلق عليه المقاومة الاسلامية

الانقلاب الحمساوي على حركة الجهاد بتركها وحيدة في مواجهة الاحتلال من اجل اخراجها من معادلة الشراكة في المقاومة حتى لا تتحول الى شريك في الحكم في غزة، بدأت في نوفمبر 2019 بصمت حماس على اغتيال دولة الاحتلال للشهيد بهاء ابو العطا ليليها صمتها الخياني مؤخرا على اغتيال الاحتلال للشهيدين الجعبري ومنصور و47 شهيد فلسطيني اخر ثلثهم من الاطفال وذلك تحت حجج لا يمكن وصفها بغير انها كانت غلطة الشاطر (حماس) التي قصمت ظهر الشراكة في المقاومة الاسلامية بين حماس والجهاد .

هذه الانقلابات من المفروض انها كشفت حقيقة حماس التي اصبحت تقف عارية امام كل من استبشر خيرا بنجاحها او بالاحرى صوت لصالحها في انتخابات .2006 علما بان ما تسببت فيه حماس على مدار سنوات خطفها لغزة منذ سنة 2007 من جوع وفقر ودمار وقهر وظلم كان يتم بلعه او السكوت عليه من قبل الضحايا الغزيين بسبب ما تعرضوا له من غسيل دماغ تحت شعارات تحرير كل الارض الفلسطينية التي انكشف امرها بعد جريمة حرب الستة وستون ساعة في الخامس من هذا الشهرالتي ما كان لها ان تحصل دون موافقة حماس وتاكيدها المسبق لاسرائيل القوة القائمة بالاحتلال بانها لن تشارك في الرد على تلك الجريمة الصهيونية التي تهدف لكسر شوكة حركة الجهاد في غزة من اجل ان تبسط حماس سيطرتها بدون منازع او شريك على امارتها الاخوانية من البحر الى بيت حانون .

ان ما وصلت له حركة حماس بعد مسيرة ربع قرن من المراوغة والخداع لا يمكن وصفه بغير ما بدأت به المقال وهو الفشل ولكن باسلوب عبقري وذلك بعد ان تمكنت من خداع الناخب الفلسطبني الذي منحها فرصة عمرها بنجاح انتخابي اثبتت بجدارة انها لا تستحقه..

وفي سياق متصل نذكر بان سر نجاح منظمة التحرير بقيادة حركة فتح و في وصولها الى تثبيت فلسطين رقما صعبا لا يمكن تجاهله على المسرح الدولي وقبولها دولة عضو مراقب في منظمة الامم المتحدة كدولة الفاتيكان كان بسبب وطنية وذكاء الاباء المؤسسين لحركة فتح الذين نزعوا عنهم عباءة الاخوان المسلمين ولبسوا عباءة فلسطين وبذلك تمكنوا من تثبيت استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ومن منظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني لتصبح هوية وطنية للفسطينيين في كافة اماكن تواجدهم ونالت اعتراف العالم اجمع ولكن وللاسف تعمل حركة حماس دون كلل على تدمير هذا النجاح بوحدانية ولائها لحركة الاخوان المسلمين وتجسيدها للانقسام على الارض وذلك على حساب الغزيين الذين دفعوا من اجل ذلك اثمانا باهظة بسبب التضليل الحمساوي المعجون بخميرة الكذب والخداع من اجل اقامة امارة اخوانية فاشلة في غزة بدعم من دولة الاحتلال وبصمت من الشقيقة الكبرى مصر التي تعتبر حزب الاخوان حزب ارهابي .

ما سبق هو بمثابة صرخة من اجل الاعتراف بالفشل والعودة الى جادة الصواب وذلك بانهاء الانقسام والعودة الى ما كنا عليه قبله كون الاعتراف بالفشل خطوة صادقة باتجاه تحقيق الوحدة الوطنية بينما المكابرة الكذابة والاستمرار في سياسة الاقصاء هما اكبر اعداء هذه الوحدة التي هي سبيلنا الوحيد للخروج من واقع الظلم والقهر والعبودية الذي تفرضه الحركة الصهيونية على الكل الفلسطيني، من اجل تحقيق الحلم باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.