الجمعة: 02/12/2022

اتفاق أوسلو: الأسباب والمآلات

نشر بتاريخ: 17/09/2022 ( آخر تحديث: 17/09/2022 الساعة: 18:55 )

الكاتب: محسن ابو رمضان




بمناسبة مرور تسعة وعشرين عاما على توقيع اتفاق أوسلو تعددت المقالات والاجتهادات والآراء، بخصوصه ما بين مدافع ومعارض ومتحفظ وكأن التاريخ يعيد نفسة بالبدايات الاولى لتوقيعه.
ان تجديد النقاش حول أوسلو يعكس انه ليس اتفاقا عاديا، بل انه يعكس حقبة زمنية هامة ما زال لها تداعياتها السلبية وانعكاساتها المؤثرة بصورة عميقة علي الواقع الفلسطيني.
لقد كان لكل من المكان والمكانة والمال تأثيراتهم المباشرة والتي دفعت القيادة الفلسطينية في تلك الفترة للموافقة عليه.
ان ارتدادات موقف القيادة الفلسطينية عليها نتيجة لموقفها المساند للعراق آنذاك في احتلاله للكويت كانت كبيرة.
وجدت القيادة الفلسطينية ذاتها في أزمة عميقة حيث ضاق بها المكان حيث كانت تتواجد في تونس خاصة بعد عدوان دولة الاحتلال المتكرر عليها سواء في حمام الشط او من خلال اغتيال القائد الشهيد ابو جهاد والذي تبعة اغتيال الشهداء الثلاث ابو اياد وابو الهول وابو محمد العمري الي جانب تراجع المكانة السياسية والاعتبارية لقيادة المنظمة عبر مقاطعة العديد من القادة العرب لها ومحاصرتها دبلوماسيا ثم ماليا خاصة في ظل تضخم جهازها الوظيفي والإداري وتوزع مقاتلي المنظمة علي العديد من البلدان العربية.
لعب المناخ الدولي والاقليمي من خلال تفكك الاتحاد السوفيتي من جهة والعدوان الأمريكي علي العراق من جهة ثانية دورا سلبيا تجاه القضية الفلسطينية.
اعتقدت القيادة الفلسطينية حينها ان اتفاق أوسلو سيعمل علي تخليصها من الازمة التي مرت بها وبأن المرحلة الانتقالية ستقود الي دولة ذات سيادة.
ان تأجيل كل من قضايا القدس والاستيطان واللاجئين والحدود والمياه والاسري كان من الأخطاء الرئيسية لاتفاق أوسلو.
ولأن السياسة تعتمد علي موازين القوي حيث كانت مختلة لصالح دولة الاحتلال فإن تفسير السلطة والمرحلة الانتقالية اعتمد علي الفهم الاسرائيلي وليس علي التصور الفلسطيني.
أرادت دولة الاحتلال ابقاء السلطة ولمرحلة طويلة ومستمرة كسلطة حكم إداري ذاتي تقوم بوظيفة ادارة شؤون السكان بأموال المانحين والمقاصة (الضريبة التي تقتطعها إسرائيل لصالح السلطة) والتي من خلالها ستتخلص من عبأ الاحتلال الي جانب قيام السلطة بمهام التنسيق الأمني.
ترفض دولة الاحتلال بأحزابها الصهيونية المتعددة فكرة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بوصفة يتنافى مع المقولة الصهيونية بأن
(فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وتعتبره حصرا لليهود كما ظهر واضحا في قانون القومية العنصري الذي اقره الكنيست الاسرائيلي في عام 2018.
واحدة من الأسباب التي سرعت من قرار قيادة المنظمة بالتوقيع علي اتفاق أوسلو يكمن بالقلق والتخوف من وفد الداخل بقيادة القائد الوطني الكبير الراحل د. حيدر عبد الشافي والذي تمترس أثناء جولات المفاوضات في واشنطن حول قضية الاستيطان ورفض عروض نقل الصلاحيات الإدارية والتي تندرج في إطار الإدارة الذاتية للسكان مع احتفاظ دولة الاحتلال بالاستمرار بالاستيطان ومصادرة الأراضي.
لقد بلغ عدد المستوطنين الان بالضفة بما في ذلك القدس حوالي 950 الف مستوطن بالوقت الذي كانوا عام 1993 اي ابان التوقيع علي اتفاق أوسلو حوالي 120الف فقط .
لقد كان وفد الداخل يؤكد ان مرجعيته هي قيادة المنظمة كما استطاع ان يتفاوض ويتم الاعتراف به بوصفة وفدا فلسطينيا مستقلا بالوقت الذي بدأ المفاوضات ضمن الوفد الأردني الفلسطيني المشترك.
لقد أحدث الوفد الفلسطيني في واشنطن أزمة سميت حينها بأزمة (الكورودور) حيث تدخلت وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك ووافقت علي قيام الوفد الفلسطيني بالتفاوض بصورة مستقلة.
ان تخوف القيادة الفلسطينية من وجود قيادة بديلة من داخل الأرض المحتلة لم يكن جديدا فقد برز ذلك بالعديد من المحطات أبرزها لجنة التوجيه الوطني والتي كانت تضم قيادات وطنية ورؤساء البلديات المنتخبين عام 1976وتجمع النقابات المهنية ورؤساء تحرير الصحف علما بأن هذه اللجنة هي التي افشلت مشروع روابط القري والحكم الذاتي وكانت تؤكد علي المنظمة كممثل شرعي ووحيد لشعبنا في كافة اماكن تواجده وترفض فكرة القيادة البديلة.
لقد ادرك الشهيد القائد ياسر عرفات مأزق أوسلو بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في عام 2000ولعب دورا قياديا وكبيرا في إشعال الانتفاضة الثانية او انتفاضة الأقصى.
استمرت دولة الاحتلال بتنفيذ مخططاتها الاستيطانية وقامت ببناء جدار الفصل العنصري واستغلت أحداث الانقسام التي حدثت في عام 2007 بين حركتي فتح وحماس بهدف تمزيق الوحدة الجغرافية والسياسية لمكونات شعبنا واستمرت بالتعامل مع السلطة بأدوارها الإدارية والامنية فقط دون تمكينها من ان تتحول الي دولة ذات سيادة.
لقد اتخذ المجلسين الوطني والمركزي للمنظمة قرارات من ضمنها وقف الاعتراف بإسرائيل وبالتنسيق الأمني وببرتوكول باريس الاقتصادي وتبني المقاومة الشعبية وحملة المقاطعة والكفاح القانوني عبر محكمة الجنايات الدولية وغيرها من القرارات الا انها لم تنفذ بسبب استمرارية الرهان علي الادارات الأمريكية او المتغيرات بالحلبة الإسرائيلية من أجل إعادة إنتاج خيار المفاوضات.
كانت القيادة الفلسطينية تكرر مقولة المفاوضات من أجل الدولة والاستقلال اما الان فيزداد الحديث عن مفاوضات لتحقيق (أفق سياسي).
يعلم الجميع أن الشارع الاسرائيلي يتجه نحو اليمين المتطرف وأنه لا يقدم اكثر من مشروع السلام الاقتصادي وينكر علي شعبنا حقة في تقرير المصير ويمارس الاحتلال والاستيطان والتميز العنصري ويترجم ذلك بالإعدامات الميدانية والاعتقالات اليومية والتنكيل بالأسرى والاستيطان وتهويد القدس وحصار قطاع غزة وشن عمليات عسكرية عدوانية علية والتميز العنصري في مناطق 1948 الأمر الذي ينتفي من خلاله اي رهان علي المفاوضات او أفق سياسي لها .
ان مواقف الإدارة الأمريكية المنحازة والداعمة لدولة الاحتلال تبدد الوهم والرهان عليها أيضا وقد برز ذلك جليا في زيارة الرئيس بايدن الي المنطقة والتي بدأت بزيارة دولة الاحتلال وبإعلان القدس.
تعمل دولة الاحتلال علي ابقاء السلطة أسيرة للقيود التي تفرضها وعلية فقد بات من الضروري العمل علي تغير المسار وتطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي وقرارات الإجماع الوطني الذي عقدة الامناء العامين في 3/9/2020بين رام الله وبيروت.
ان مواجهة سياسة التفتيت والتجزئة الممارسة من قبل حكومات الاحتلال عبر فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض واغراقها بهمومها ومشاكلها المحلية بهدف اشغالها عن الهم الوطني المشترك يكمن فقط بالعمل علي وحدة مكونات شعبنا الجغرافية والديموغرافية والسياسية ضمن رؤية وطنية جامعة تؤكد علي وحدة الأرض والشعب والقضية وتعمل علي إعادة بناء منظمة التحرير بوصفها الإطار الوطني الفلسطيني الجامع لتضم كافة الفعاليات والقوي ومن خلال الانتخابات او التوافق الديمقراطي علي ان يتم فصل السلطة عن المنظمة وتصبح الثانية مرجعية الاولي كونها الجبهة الوطنية العريضة وتصبح الاولي اي السلطة هيئة لتقديم الخدمات وتعزيز الصمود لشعبنا .
بعد تسعة وعشرين عاما علي توقيع اتفاق أوسلو علينا العودة للجذور حيث افشلت دولة الاحتلال اية رهانات علي ما يسمي بالحلول (الوسط) الأمر الذي يستلزم العمل علي تأصيل الرواية التاريخية الوطنية لشعبنا بوصفة هجر من ارضة عام 1948في واحدة من ابشع عمليات التطهير العرقي التي تمت بالقرن العشرين.
ان الخروج من الازمة البنيوية التي تمر بها قضية شعبنا تكمن بإعادة الفهم للمشروع الصهيوني بوصفة مشروع استعماري استيطاني واحلالي وعنصري.