الجمعة: 03/02/2023 بتوقيت القدس الشريف

الفاشية الإسرائيلية في ضيافة البحرين والإمارات

نشر بتاريخ: 08/12/2022 ( آخر تحديث: 08/12/2022 الساعة: 09:05 )

الكاتب: د. جمال زحالقة

بدا واضحا أن هدف زيارة يتسحاق (بوجي) هرتسوغ إلى البحرين والإمارات، مطلع هذا الأسبوع، تهدف إلى تبييض صفحة حكومة اليمين الفاشي الإسرائيلية، قبل أن تقوم، وتهدف أيضا إلى التمهيد لزيارة مرتقبة لنتنياهو، الذي أعلن أن أوّل زيارات خارجية له ستكون في دول التطبيع العربي.
وبعد أن أعربت الإدارة الأمريكية عن تحفظات حيال تركيبة وسياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وحتى بعد أن بدأ الاتحاد الأوروبي بالقيام بخطوات عملية تحمل طابع العقوبة والتحذير من سياسات أكثر تطرفا لدولة الاحتلال في الضفة الغربية، جرى استقبال هرتسوغ بسعة وترحاب، وعزفت الفرقة الموسيقية العسكرية البحرينية النشيد الوطني الإسرائيلي «هتكفا»، وجرى التأكيد من جميع الأطراف ليس فقط على استمرار العلاقة بإسرائيل، كما كانت حتى الآن، بل على توثيقها وتطويرها. وما يجري بالفعل هذه الأيام هو أن البحرين والإمارات تشاركان في تطبيع حكومة اليمين الفاشي الإسرائيلية.
تأخذ إسرائيل من زيارة هرتسوغ أمرا واحدا في غاية الأهمية بالنسبة لها، وهو منح شرعية دولية لحكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، اعتمادا على الشرعية العربية الخليجية. وهذا ليس جديدا، فقد درج نتنياهو على أن يواجه الانتقادات الأوروبية بالقول: «لماذا أنتم ضدي، فالعرب معي، وهل أنتم عرب أكثر من العرب». لكن الجديد هو أن الحكومة الجديدة هي الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة الصهيونية، وهناك تحفّظات وانتقادات دولية كثيرة عليها، وهناك أيضا تذمّر داخلي في إسرائيل نفسها ودعوات لمقاطعة عدد من قياداتها، وتهم توجّه إلى نتنياهو بأنّه «يقود إسرائيل إلى عزلة دولية خانقة»، بارتباطه بعناصر يمينية كانت منبوذة حتى الآن، وأصبحت شريكا مهمّا في اتخاذ القرار الأمني والسياسي والاقتصادي.

هرتسوغ

العلاقة بين نتنياهو وهرتسوغ اليوم قوية ومتينة، وحتى حين كان هرتسوغ منافسا لنتنياهو وزعيما للمعارضة ضده، كان التواصل بينهما دائما، وقد حاول هرتسوغ الانضمام للحكومة لكن المعارضة الداخلية في حزبه، حزب العمل منعته من ذلك. وحين ترشّح لرئاسة الدولة، دعمه نتنياهو بقوّة، على الرغم من الخلافات السياسية بينهما. وإذ يحاول هرتسوغ الظهور بمظهر رجل الدولة الرصين، فهو لا ينسى مساندة نتنياهو له وضرورة أن يسدّه الدَيْن. وهناك أيضا قضية شقيقه مايكل هرتسوغ، الذي عيّنته الحكومة السابقة سفيرا في الولايات المتحدة، وهناك تسريبات بأن نتنياهو ينوي استبداله، ولعل هرتسوغ الرئيس يسعى إلى صفقة بالتفاهم الضمني مع نتنياهو لإبقاء أخيه السفير مقابل خدمات الرئيس لنتنياهو. لكن الأمر الأهم بالنسبة لهرتسوغ هو أنّه يعتبر نفسه وسلاسته العائلية بمثابة الأب والأم في إسرائيل، فجدّه كان الحاخام الأكبر الأوّل بعد إقامة الدولة الصهيونية، ووالده كان جنرالا في الجيش ومديرا لشعبة المخابرات العسكرية ورئيسا لدولة إسرائيل. أمّا عمّه يعقوب، الذي كان سفيرا في كندا، فقد دخل التاريخ بسبب مناظرته الساخنة عام 1961، مع أرنولد توينبي، كبير المؤرّخين في القرن العشرين ومن ألد أعداء الصهيونية. ويبدو أن هرتسوغ، كصهيوني يرى مصلحة الدولة كدولة، يلعب طواعية دور «المبيّض» لحكومة اليمين المتطرف، ويسعى جاهدا لشرعنتها وتطبيع كيانها وتركيبتها وسياساتها، بادعاء أن «الشعب» انتخبها ومنحها الدعم. وفي ظل «الزمن العربي الرديء»، وجد هرتسوغ ومن خلفه نتنياهو أن أسهل الأبواب لتطبيع حكومة يمينية متطرفة هو باب، بل بوّابة المطبّعين العرب، حيث الإصرار على احتضان إسرائيل مهما فعلت.
دول التطبيع وتطبيع الفاشية الإسرائيلية
يكمن معنى زيارة هرتسوغ إلى البحرين والإمارات، في أنّها فارغة من المضمون وتعود قيمتها إلى مجرّد إجرائها. فرئيس الدولة في إسرائيل لا يملك أي صلاحية سياسية أو أمنية، وهو شخصية لها مكانة اعتبارية طقسية لا أكثر. وفي غياب أي هدف آخر، من الواضح أن الزيارة أتت لتسويق وتلميع وتحسين سمعة حكومة اليمين الفاشي وللتمهيد لزيارة نتنياهو، التي لم يعلن عنها رسميا حتى الآن. ومن دلائل خلو لقاءات هرتسوغ في المنامة من أي بعد استراتيجي – أمنى، هو عدم مشاركة الجنرال براد كوبر، قائد الأسطول الخامس الأمريكي المرابط في الخليج ومقره في البحرين، الذي حضر اللقاءات السابقة، التي بحثت مسائل التعاون العسكري والأمني بين إسرائيل والبحرين وبقية دول الخليج. الهدف من الزيارة إذن هو الزيارة بذاتها، فمجرد الزيارة، بعد الذي حدث في إسرائيل هو رسالة واضحة، بأن الأمور تسير «على ما يرام»، وأن العرب يقبلون بالحكومة الجديدة، وعلى العالم أن يحذو حذوهم.
استقبال هرتسوغ بهذه الحفاوة ليس مجرد تطبيع، بل هو إمعان في التطبيع. والمبالغة في الاحتفاء بالزائر الإسرائيلي هي لقطع الشك باليقين، بأن البحرين والإمارات لن تغيّرا من تطبيعهما مهما فعلت الحكومة الإسرائيلية الجديدة. القيادة السياسية في البلدين تعرف تفاصيل ما يجري في إسرائيل، لكنّها لا تتأثّر به. وقد فوجئ صحافيون إسرائيليون رافقوا هرتسوغ في رحلته الخليجية، من معرفة المسؤولين في البحرين والإمارات بكل تفاصيل الاتفاقيات الائتلافية، ووعود نتنياهو لشركائه، وحين سئلوا كيف سوف تتعايشون مع سياسات وأفعال كهذه بكل ما يخص الاستيطان والقدس والأقصى والضم الزاحف، أجاب المسؤولون بعدم مسؤولية بالقول، بأن هرتسوغ طمأنهم بعدم تغيير «الوضع القائم» في الأقصى وعدم قيام الحكومة الجديدة بممارسات استفزازية تحرجهم. هرتسوغ، الذي ينتمي إلى تيار حزب العمل، يلعب دور «المطمئن المناوب»، خلفا لشمعون بيريس، الذي قام بالدور ذاته، في تلميع صورة حكومة نتنياهو، خلال أعوام 2009 -2012.

تصريحات هرتسوغ

خلو الزيارة من المضامين الفعلية، لا يعني غياب التصريحات والتسريبات عنها. فقد نشر هرتسوغ، عشية زيارته، مقالا مطوّلا باللغة الإنكليزية في موقع «تايمز أوف إيزرائيل»، تضمّن أفكارا تعكس بعض نوايا الحكومة الإسرائيلية، منها أن البحرين هي بوابة لدول أخرى في المنطقة والشرق، ومنها أيضا دعوة للتطبيع الثقافي: «تشمل الرؤيا الإسرائيلية تبادل الطلاب، وبرامج شبابية مشتركة، ومشاريع تعاون بين الجامعات، ليس فقط مع البحرين، بل في منطقتنا الأوسع. نحن نريد أن نُحْضِر إلى الخليج ثقافتنا، القائمة على دمج رائع بين القديم والحديث، بين الشرق والغرب. ونأمل أيضا أن نرى فنانيكم في فضائنا الثقافي وهم يحيون الحفلات ويحظون بالتصفيق». وهرتسوغ هنا يعبّر عن رأيه، ويعكس رؤية نتنياهو، بعدم الاكتفاء بالتطبيع مع النخب الحاكمة المفصولة عن شعبها، بل يريده تطبيعا أعمق في لبّ المجتمعات. هنا يأتي دور النخبة الثقافية والفنية في الخليج، برفض التطبيع بوضوح وبحدّة، فالبضاعة الثقافية التي يعرضها هرتسوغ وغيره هي بضاعة صهيونية فاسدة ومرفوضة لأنّها مبنية على نفي الوجود الفلسطيني، ونسف الحق الفلسطيني، وتبرير الاقتلاع والقتل والتدمير والتهجير بشكل مباشر وغير مباشر.
ولعل ما يبعث على بعض التفاؤل في هذا المشهد القاتم ويبشّر بفشل التطبيع الثقافي على الأقل، هو ما جاء في «وول ستريت جورنال» هذا الأسبوع عن استطلاع «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي دلّ على انخفاض حاد في الدعم الشعبي للتطبيع في دول الخليج، في مقارنة العام الحالي بعام 2020. فقد انخفض دعم التطبيع في البحرين من 45% عام 2020 إلى 20% عام 2022، وفي السعودية انخفض هذا الدعم من 41% إلى 19%، وحتى في الإمارات تراجع الدعم من 47% إلى 25% هذا العام. الشعوب في واد والحكومات في واد آخر، عند الشعوب التطبيع في انحسار، وعند النخب السياسية إمعان في التطبيع. السبب الحقيقي لهذا الإمعان هو الوهم بأن إسرائيل ستحمي الأنظمة، وأنها ستلعب دورا أكبر في المستقبل تبعا للانسحاب الأمريكي من المنطقة. وعلى ذمّة حاشية هرتسوغ وصل الأمر بأحد قادة الخليج أن يقول: «إسرائيل نعمة على المنطقة». وقد فهم هرتسوغ هذه العبارة على أنها تعبير عن رغبة في مواصلة تطوير العلاقات، وقال للصحافيين ملخّصا لقاءاته في البحرين والإمارات وما لمسه من قياداتهما: «الحلبة الدولية مستعدة لإعطاء فرصة للحكومة الجديدة».. وهناك من يقول بأنه سمع التزاما أكثر وضوحا بمواصلة التطبيع والإمعان فيه.
لا بدّ من القول ومن عدم الملل من تكرار القول بأن التطبيع ليس حالة طبيعية، وهناك ضرورة لتسليط الأضواء على الرفض الشعبي له كما تجلّى في مظاهرات البحرين، وفي مونديال قطر، وفي حراكات المغرب، وفي مواقف الأحزاب العربية والمثقفين العرب. وعلى الرغم من «خيبة» الأنظمة وأبواقها، فإنّها فرصة لا تعوّض لفضح الوجه الحقيقي للدولة الصهيونية، خاصة بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي تضم شخصيات فاشية وعنصرية، بلا تلك الأقنعة، التي اعتادت أن تخدع بها إسرائيل العالم.