الثلاثاء: 16/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

في طريق جهاد صالح

نشر بتاريخ: 18/03/2023 ( آخر تحديث: 18/03/2023 الساعة: 20:47 )

الكاتب: تحسين يقين



كم علينا أن نقرأ من صفحات تاريخنا القديم والحديث؟ ليست محاججة في ظل صراع ينزع المحتل فيه إلى إلغاء الباد منا، ونفينا ونفيها عن الحضور، بل ضرورة ذاتية لنعرف حالنا في الزمان والمكان، ولعل هذا ما دفع مناضلين الى تخصيص جزء من محطاتهم الأخيرة، للتوثيق والتأريخ؛ فالمؤرخ ثروة وطنية، بسبب مهمته من جهة، وبسبب ندرته من جهة أخرى، وعلى مدار التاريخ. الكاتب جهاد صالح واحد من هؤلاء، الذي جذبه الموضوع الثقافي الفلسطيني في القرنين التاسع عشر والعشرين، لما للقرنين هنا من حضور يلقي بظلاله على مستقبلنا. لقد عاد جهاد صالح الى البدايات الفاعلة في تاريخنا الثقافي، بما فيه من تنوير وحداثة، حيث كانت فلسطين تعبر بقوة نحو المستقبل، وليس عجيبا أن تكون حواضرها جزءا رئيسا من حواضر النهضة العربية الحديثة، والتي لأسباب استعمارية، تم الانتقاص منها ووأدها، لما في ذلك من دور في تسهيل عمل الاستعمار.
عكست حياة المرحوم جهاد صالح حياة شعبنا، فهو أيضا قصة ورواية تروى، ولربما نعود لذلك يوما، في الوقت الذي لا نسعى فيه هنا الى تموضع خاص بين من يكتب الآن عنه، وبينه، بسبب أن هناك ما هو أهم في رحلة الفلسطيني على أرضه.
أمران نحتاجهما في فلسطين، ولن نملّ من التذكير الدائم بهما، وضرورة تضمينهما مناهج التعليم في المدارس والجامعات، والإعلام، وأية منابر تصلنا بالجمهور، وهما:
- تاريخ فلسطين القديم الغني جدا، والذي لا يقتصر على فترة الحضارة العربية الإسلامية الحديثة، والتي يتم التركيز عليها حتى الآن، زاهدين بآلاف السنوات؛ فحتى الآن ما زلنا نعاني من قصور في فهم تاريخنا العريق.
- تاريخ فلسطين في آخر قرنين بشكل خاص، وفيهما ما نما في فلسطين من علم وأدب وصحافة ورقي منظومة كاملة من العلاقات.
أما الكاتب والمؤرخ جهاد صالح، فقد اختار المضي في الأمر الثاني، حيث بدأ بالاهتمام بالإصدارات، ثم ما لبث أن أصبح تاريخنا الثقافي شغله الشاغل، فصار مؤسسة بحد ذاته، في التجميع والتوثيق والبحث، فكانت كتبه مصدرا مهما يلقى فيه الباحث الكثير من المعلومات.
بدأب راح يؤرخ ل 146 شخصية ثقافية، هم رواد النهضة الفكرية في فلسطين ما بين العام 1830-1930 موسعه بتسعة أجزاء كل جزء منها يحتوي على أكثر من 700 صفحة، مانحا كل من هؤلاء صفحات كافية، عرض فيها حياتهم وإنجازاتهم، مستفيدا من كتيبات كان قد نشرها من قبل عن عشرات من أعلام النهضة في فلسطين. ولربما كانت خطوته الموسوعية هي نتاج رحلته مع الكتابة التأريخية.
لقد كنا بحاجة لكتاب شامل، يسهل علينا، ويختصر الكثير من الوقت والجهد في التنقل بين المكتبات والكتب. ومن خلال كل هذا الجهد عرفنا المزيد عما لا نعلم عنهم سوى الضئيل من المعلومات، ومنهم من لم نكن نسمعه عنهم بما هو كاف، وبما يرتقي لقاماتهم الثقافية، ولعل ذلك يعود الى نكبة فلسطين التي شتت شمل المعارف، إضافة الى عقود من السنوات لم نكن مسيطرين فيها على المعرفة، ومنظومتها، كون أن التعليم في فلسطين قد ابتلي وما زال للأسف، بتشظ معرفي وتفتت وتبعثر، في سياق غياب استراتيجية تتعلق بكيفية تعليم التاريخ.
وكل من يؤرخ، ستسكنه القدس بشكل خاص، حيث أصدر مؤرخنا الجاد، المعتمد على شغفه وحبه لعمله، موسوعة عن رواد العمل الأدبي المقدسي، حيث استقصى الحياة الفكرية والأدبية لخمسين شخصيه مقدسيه في ثلاثة أجزاء.
حبه لوطنه، وتاريخ بلاده كان دافعا في الوعي واللاوعي، للمساهمة مع آخرين أجلاء، عملوا من عقود على الحفاظ على الذاكرة، عبر إصار كتب موسوعية عن فلسطين، فكانت إسهامات جهاد صالح إضافة فعلية، خصوصا في تجميع ما له علاقة بالتاريخ الثقافي والأدبي، منطلقا لربما من منطلقات حرصه، وشغفه بالتوثيق بيت دفتي كتاب، أكثر منها نزعة أكاديمية آنية لنيل درجة علمية، وبالتالي تصبح فضيلته أنه قدم هذه المعلومات المرتبة، لتكون زادا علميا للباحثين، والمختصين في الشؤون الثقافية الفلسطينية.
لقد ظهر لنا جهاد صالحا قارئا نهما، كما ظهر لنا عيونه وهي تربط منظومات المعرفة معا، فتراه وقد فتح عدة كتب معا، ليجمع ما تناثر وتفرق من معلومات، كي يبنيها معا.
قراءته للكتب دفعته للبحث عمن ما زال حيا، فراح يعتمد أيضا على التاريخ الشفوي، وهو بذلك يجعل أسلوبه البحثي ذا مصداقية وحيوية. ومن نضج الكاتب المؤرخ الشغوف أنه كان فعلا يقدّر الآخرين من خلال القراءة والاستماع والإصغاء.
واليوم، نجد أنفسنا في ظل ما ترك لنا من إرث عن حياة فلسطين الثقافية، في طريقين:
- اكمال ما بدأه، وتشجيع الباحثين الشباب على الكتابة والتأليف.
- عمل خارطة لتضمين ما يمنح صورة عامة مقبولة عن تراثنا الثقافي يتم دمجها في المناهج التعليمية، والتذكير بمختصر مفيد، على مدار العام، من خلال برنامج لا تتجاوز مدته الخمس دقائق، على غرار برنامج أسلافنا الذي يبثه التلفزيون، من خلال تطويره، وزيادة حيويته، كأن يتم استضافة أحد الباحثين المختصين ليتحدث بدقائق عن أحد الأسلاف.
والآن، ونحن في سياق التاريخ والتأريخ والذاكرة والوطن، نجد أنفسنا دوما مع مفارقات عجيبة في بلادنا، منها أنه في ظل تعليمنا التاريخ في المدارس، فإن أسلوبنا في ذلك، لا يشجع خريجي المدارس الى التخصص في التاريخ، وسنفاجأ بحال أقسام التاريخ في جامعات فلسطين، التي لم تعد مقصدا للطلبة، حيث أنها معرضة للإغلاق.
إن حشو كتب التاريخ بمعلومات جافة تنفّر الطلبة من كتب التاريخ، كما أن نظام الامتحانات القائم على الاسترجاع يزيد من نفور الطلبة من دراسة التاريخ في الجامعات.
التاريخ جميل وهو قصص وروايات وفن سيحبه الأطفال والكبار إن أحسنا التعامل معه، وعدم الاقتصار على الجانب السياسي، فجوانب التاريخ الاجتماعي والاقتصادية والثقافية، كلها تتآلف لتكون حياة شعب عاش وما يزيل يبدع.
في طريق جهاد صالح سيمضي محبو فلسطين، كما مضى آخرون نجلهم دوما، فإن رأينا أنفسنا غير واعين تماما لأية ظاهرة أو حدث، فعلينا فقط بالتاريخ الذي سيدلنا على أية أرض نقف.
أعلام كثيرون كتبوا عن أعلام آخرين سبقوهم، فكما كتب جهاد عمن سبقوه، فقد صار علما نكتب عنه، كاتبا ومؤرخا ومناضلا وإنسانا جميلا.
[email protected]