الثلاثاء: 25/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

غربيون كرسوا وقتهم لفلسطين

نشر بتاريخ: 24/05/2024 ( آخر تحديث: 24/05/2024 الساعة: 17:02 )

الكاتب: عواد الجعفري

ركب البعض الموجة بعد اندلاع حرب غزة، فأبدى اهتماما بقضية فلسطين، مثلها مثل أي قضية تشغل الرأي العام، ولسان حالهم "دعنا نكسب من هذا الاهتمام لأنفسنا".

انفض هؤلاء عن قضية فلسطين رغم أن الحرب لم تنته. انفضوا عنها لأنها لم تعد تجلب "لايكات" وتعليقات، وللأسف كان كثيرون من هؤلاء من بني جلدتنا.

نقول هذا الكلام لكي ندقق جيدا فيما يكتب عن غزة وأهلها الذين يعيشون معاناة رهيبة تفوق الوصف وتتجاوز الحد؛ فالقصد قد لا يكون نبيلا دائما، والزمن كفيل بذلك، مع الشكر لكل من كتب ودعم وساند غزة ولو بالقليل.

غير أن هناك أناسا في الغرب يختلفون عن النوعية السابقة. كنت أتابعهم منذ أمد بعيد، لا ينشرون شيئا إلا عن فلسطين ولم يتعرفوا عليها بعد اندلاع الحرب الحالية.

للوهلة الأولى، يبدو أنه لا يجمع هؤلاء جامع مع قضية فلسطين ولا يربطهم بها رابط، فهم ليسوا مسلمين ولا عرب، لكنهم أبرز مثال على الجملة الشهيرة: "ليس عليك أن تكون مسلما/عربيا لتدعم قضية فلسطين، عليك فقط أن تكون إنسانا".

وهنا أورد نموذجين لهؤلاء الأحرار، أولهم جوناثان راندال، الأميركي الذي يعيش في نيويورك.

طرح كاتب هذه السطور على جوناثان سؤالا مفاده: لماذا يدعم قضية فلسطين؟

أجاب: "أنا أؤمن بشدة بالحرية والمساواة لجميع الناس. لكوني يهودي، لدي فهم عميق لما يعنيه أن تكون مكروها ومضطهدا بسبب هويتك. لن أقف صامتا بينما تُنتهك حقوق الإنسان للفلسطينيين باسم اليهودية. شعار "لن يحدث مرة أخرى (المرتبط بالمحرقة النازية ضد اليهودية) يعني لن يحدث مرة أخرى لأي شخص كان. إن الأعمال المروعة التي تجرد إسرائيل من إنسانيتها تتعارض بشكل مباشر مع قيم اليهودية. ليس باسمي! (هذا شعار يردده يهود كثر حول العالم يرفضون فيه ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين باسم اليهود)".

ولم يكن طريق جوناثان سهلا، فقد واجه متاعب كبيرة في دفاعه عن حقوق الفلسطينيين، ويروي: "للأسف، لم أتعرض للنبذ من قبل العائلة والأصدقاء فحسب، بل أضر الأمر بعملي أنا الكوميدي والممثل والبوكاستر (منتج محتوى صوتي على الإنترنت)، لكن الذي واجهته بسبب تعبيري عن حقوق الإنسان الفلسطيني لا تقارن بما يعانيه الشعب الفلسطيني يوميا منذ عقود".

وبدأ جوناثان في "عملية التخلص من التلقين الصهيوني منذ أربع سنوات"، ورأى أن التعلم عن "النكبة الجارية (التي يعيشها الفلسطينيون) عملية مستمرة بالنسبة لي".

ينشط جوناثان بشكل كبير على حسابه بمنصة "تيك توك"، الذي يتابعه قرابة 135 ألف شخص، يشرح فيه القضية الفلسطينية من زاويا مختلفة ويزود الجمهور بأحدث التطورات والتعليقات في فيديوهات قصيرة ومكثفة.

وعلى سبيل المثال، نشر فيديو في ذكرى يوم النكبة استعرض ما حل بالشعب الفلسطيني قبل 76 عاماً وربطه بما يجري حاليا. قال في الفيديو: "76 عاما من القمع العنيف والطرد ونزع الإنسانية.. هذا ما واجهه الشعب الفلسطيني.. ربما يكون التاريخ مضبوطا لديك في 7 أكتوبر، لكن معاناة الشعب الفلسطيني على أيدي دولة إسرائيل تعود إلى 76 عاما، عندما طرد 750 ألف فلسطيني بالعنف من منازلهم (...)، وبعد مرور 76 عاما لا تزال النكبة تحدث مع الإبادة في غزة، ونظام الفصل العنصري في الضفة الغربية، والعنف اليومي الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون الإرهابيون ضد المدنيين.. 76 عاما من العنف والتطهير العرقي، والبعض يقول بجرأة إن هذا الأمر بدأ قبل 7 أشهر فقط".

المواطنة الإيرلندية التي تقدم نفسها باسم "آنا" هي النموذج الثاني.

تقول في وصف حسابها على "تيك توك"، الذي يتابعه 21 ألف شخص إنها "معلمة وناشطة في حقوق الإنسان".

تبدو في الفيديوهات التي تنشرها سفيرة لفلسطين في بلدها إيرلندا، بل وحتى العالم بعد تلاشي الحدود بفعل الثورة التكنولوجية.

مثلا، أوردت في فيديو عدة حقائق بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، فقالت "إن القوات الإسرائيلية تقتل ما معدله 73 طفلا فلسطينيا يوميا، وهو ما يوازي فصلين أو ثلاثة من الفصول الدراسية الممتلئة بالأطفال، ولذلك عندما تقول "أنا أدعم إسرائيل، أنت تقول ببساطة إنك تدعم قتل 73 طفلا في كل يوم".

لكن آنا لم تبدأ النشر بعد الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، بل منذ سنوات، أوضحت في فيديوهاتها معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال الإسرائيلي من المياه، فهو الذي يحدد كم من الماء يستهلكون ومتى، إلى الطرق المحظورة عليهم المخصصة للمستوطنين وغيرها من المسائل.

قد تبدو هذه الحقائق بديهية للقارئ الفلسطيني وحتى العربي، لكنها ليست كذلك لمن هم بعيدون عن أجواء القضية وخاصة جيل الشباب واليافعين. تعهدت آنا بعدما زارت فلسطين ورأت ما يفعل الاحتلال الإسرائيلي بأن تبذل قصارى جهودها لفضح هذا الاحتلال وهذا ما فعلته فكل ما تنشره على حسابها مكرس لفلسطين ومعاناة أهلها.

إن هذين النموذجين جزء من تيار في الغرب بدأ يتشكل بقوة لدعم فلسطين، وبرز على نحو جلي في احتجاجات طلبة الجامعات الأميركية والأوروبية، والمطلوب منا جميعا دعم الأصوات التي تتحدث عن فلسطين وألا نخذلها وإن كان هذا المقال سيصل إلى المؤسسات المعنية فعليها هي الأخرى مسؤولية دعم هؤلاء، حتى ولو بصورة رمزية ليكون حافزا لهم.

وبالطبع هناك في الغرب مَن كرس حياته لا وقته فقط من أجل فلسطين، ونذكر هنا الناشطة الأميركية راشيل كوري التي داستها جرافة لجيش الاحتلال أثناء تصديها لهدم منازل في رفح عام 2003.