الثلاثاء: 25/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

خيارات السلطة الوطنية الفلسطينية للخروج من أزمتها المالية

نشر بتاريخ: 24/05/2024 ( آخر تحديث: 24/05/2024 الساعة: 16:41 )

الكاتب: هبه بيضون

تفاقمت الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الوطنية الفلسطينية مؤخراً نتيجة العديد من العوامل، حيث تشكّل أموال المقاصة الجزء الأكبر من إيرادات السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي عائدات الضرائب والجمارك على السلع الفلسطينية المستوردة الى الأراضي الفلسطينية، والتي تقوم إسرائيل بجبايتها نيابة عنها، وفق بروتوكول أو اتفاقية باريس لعام 1994، الذي يلزم إسرائيل بتحويلها شهرياً.
وتحت عدة ذرائع، تقوم إسرائيل باحتجاز تلك الأموال، منها الرد على ما تسميه "الإرهاب الفلسطيني"، ويشمل دفع السلطة رواتب لعائلات "الشهداء، كما أنها تقوم بمعاقبة السلطة على "مواقفها السياسية، كالتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتستخدم إسرائيل أموال المقاصة كوسيلة ضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بشروطها وتقديم تنازلات.

وفي ضوء ذلك، فإنّ حجب تلك الأموال وعدم تسليمها الى السلطة شكّل أحد العوامل الرئيسية للأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها السلطة.

أمّا بالنسبة لتحصيل الضرائب من قبل السلطة في بعض المناطق، فإنّ هناك ضعف في هذا التحصيل، خاصة في قطاع غزة. وتعاني السلطة من ارتفاع في النفقات، سواء المتعلقة برواتب الموظفين أو بالخدمات الأساسية التي تقدّمها، وكذلك تخصيص ميزانيات كبيرة لحملات أو مشاريع تحت مسميات عديدة، دون تحقيق نتائج ملموسة تذكر لهذه المشاريع الفرعية، والتي تشكّل عبئاً كبيراً على الميزانية، في الوقت الذي كان بالإمكان توجيه تلك المخصّصات الكبيرة لما يعود على السلطة وعلى الشعب الفلسطيني بإنجازات حقيقية.

كما أنه لا يمكن إغفال حقيقة ضآلة الدعم المالي الدولي للسلطة، والذي انخفض بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة، سواء كان ذلك من الدول العربية الشقيقة التي التزمت بتقديم مساعدات دورية، أو من المجتمع الدولي الذي تخلّى عن مسؤولياته في هذا السياق.

ومن أبرز الآثار الناجمة عن ذلك هو تأخر دفع رواتب الموظفين، حيث يضطر موظفو السلطة إلى الانتظار لفترات طويلة لتلقي نسبة من رواتبهم، ما أثّر سلباً على حياتهم ومعيشتهم، نتيجة تراكم الديون على البعض وصعوبة الإيفاء بالتزاماتهم.

إنّ الوضع المالي المأزوم للسلطة يتطلب طرح خيارات حلول للخروج من تلك الأزمة أو على الأقل التخفيف من حدّتها، بحيث تكون واقعية وقابلة للتطبيق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يجب خفض النفقات التشغيلية للسلطة بمؤسساتها المختلفة ما أمكن ذلك، حتى لو تطلب الأمر تقليص حجم الحكومة، ودمج وزارتين أو أكثر تحت مظلة واحدة، كما يجب الإسراع في ترشيد النفقات بقدر الإمكان، خاصة تلك المتعلقة بالسفريات والمهام الخارجية، إلّا ما كان ضرورياً وأساسياً، وكذلك خفض الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية (الكمالية).

يجب أيضاً البحث الفوري عن تمويل إضافي، يعوّض الإيرادات المقتطعة، كالحصول على المزيد من القروض من البنوك المحلية والدولية، أو إصدار الشكل المناسب من السندات الحكومية. كما يمكن تحسين تحصيل الضرائب، وذلك من خلال تعزيز كفاءة أجهزة الجباية، وتوسيع قاعدة الضرائب من خلال ضم المزيد من الأفراد والشركات إلى نطاق المكلفين بالضرائب، لما في ذلك زيادة للإيرادات الضريبية، وتحقيق العدالة الضريبية، وتوزيع عبء الضرائب على الفئات المختلفة للمساهمة في تمويل السلطة، دون إغفال أهمية تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال تقديم تخفيضات ضريبية للمؤسسات التجارية والأفراد الذين يسهمون في خلق فرص عمل وزيادة الإنتاجية. كما لا بد من دعم القطاع الخاص، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي، ما يعود بالنفع على الخروج من الأزمة المالية.

وعلى المدى طويل الأجل، لا بد من البدء بالعمل على إعادة هيكلة الاقتصاد، ليشمل تنويع مصادر الدخل وخفض الاعتماد على المساعدات الخارجية، وتعزيز الاستقلال المالي من خلال تطوير مشاريع اقتصادية مدرّة للدخل، لتقليل الاعتماد على أموال المقاصة، ولكي لا تكون السلطة تحت رحمة "إسرائيل". كما يجب تحسين الشفافية والمساءلة في الإدارة المالية في كافة المؤسسات.

أعلم أنّ ما ذكرته ليس بالأمر السهل، وهناك تحدّيات قد تواجه أيّ من الخطوات المذكورة، منها معارضة بعض الفئات المتضرّرة من بعض الإجراءات المقترحة، وعدم الاستقرار السياسي الذي قد يشكّل عائقاً أمام تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، كما أنّ عدم الحصول على الدعم الدولي، يشكّل أحد هذه التحدّيات.

ولكننا لا ننشد الحلول السحرية، وإنما التحسن التدريجي، وذلك ممكن أن يأتي من خلال اتبّاع خطّط مدروسة وإصلاحات جادة، تمكّن السلطة الفلسطينية من الخروج من أزمتها المالية وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل.

وهنا لا بد من التنويه إلى أهمية دور المجتمع الدولي في دعم الجهود الفلسطينية للخروج من الأزمة المالية، وذلك من خلال تقديم المساعدات المالية للسلطة، كما نتوقع أن تقوم الدول الأوروبية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية مؤخراً (إسبانيا، أيرلندا، النرويج) بترجمة اعترافها بالفعل ليشمل دعم السلطة الفلسطينية وصمود الفلسطينيين لمواجهة التحدّيات، والمحافظة على ما تمّ إنجازه لغاية الآن لتطوير المؤسسات والنهوض بها، لترتقي إلى مؤسسات الدولة المستقلة التي يتم الاعتراف بها، وذلك من خلال تقديم دعم مالي منتظم يمكّن السلطة من تسديد التزاماتها.
كما يبقى الأمل دائماً بأن يقوم الأشقاء العرب الذين دعموا فلسطين تاريخياً، مالياً وسياسياً، ثم أوقفوا الدعم المالي لأسباب معينة، باستئناف تلك المساعدات وانتظامها في هذا الوقت الحرج الذي تمر به "فلسطين"، للتمكن من الخروج من هذه الأزمة المالية الخانقة، والتي من المهم معالجتها بأسرع وقت ممكن.

لا بد من السعي إلى الحلول المستدامة التي تضمن استقرار السلطة الفلسطينية وتحقيق التنمية الاقتصادية للشعب الفلسطيني الذي عانى الأمرّين عبر سبع عقود من الاحتلال.