الأربعاء: 19/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد بين التفعيل والتجاوز

نشر بتاريخ: 11/06/2024 ( آخر تحديث: 11/06/2024 الساعة: 13:14 )

الكاتب:

برهان السعدي

درجت العادة بتكرار القول أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكن هذه العادة التي أصبحت لازمة سياسية ومجتمعية وقانونية وعرفية لم تأت نتاج شطحة فكرية، أو نزوة سياسي، أو حلم قائد مغمور أو مفكر مبدع. إنما نتاج نضالات الشعب الفلسطيني في الثورة المعاصرة التي انطلقت لتحرير فلسطين المحتلة عام 1948 وقبيل احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ليبتلع الاحتلال بقية أجزاء الوطن، إضافة إلى أراضٍ عربية أخرى.

فصفة التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني ووحدانيته التي انتزعتها مقاومة الشعب الفلسطيني في إطار م. ت. ف في مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974، كانت بفعل شلالات من الدماء الطاهرة التي روت أرض فلسطين والتراب المجاور لها، لتصويبها البوصلة نحو فلسطين، وإصرارا منها أن عهد الوصاية العربية والإملاءات الإقليمية أو الدولية انتهى إلى غير رجعة.

فانتزاع منظمة التحرير وحدانية التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني شكل جدلية ثنائية لا يمكن فضها: تحرير فلسطين ضمن الهدف الأساس المنصوص عليه في الميثاق الوطني الفلسطيني وأدبيات الفصائل المنضوية في إطار المنظمة، وبقاء منظمة التحرير الفلسطينية قائدا وموجها وممثلا للشعب الفلسطيني في كفاحه حتى نيل الاستقلال الوطني الناجز، وإقامة الدولة المستقلة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي. فمنظمة التحرير وتحرير فلسطين هما الجدلية التاريخية الراسخة، والتي عبر عنها شعبنا في كافة أشكال مقاومته.

لكن منظمة التحرير تندرج ضمن مفهومين أساسيين هما: الإطار والصفة، فالإطار يمكن أن يضعف أو يقوى، لكن الصفة تبقى ثباتة ولازمة مهما كان وضع الإطار من ترهل وضعف وركود، لكن ذلك ينعكس على طبيعة مرحلة الكفاح في مسيرة التحرر وانتزاع الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية. وعليه يجب الحرص على أن يبقى الإطار الجبهوي العريض الذي يشكل منظمة التحرير الفلسطينية فاعلا وقويا ومرنا ليبقى الجامع لجميع مكونات الشعب الفلسطيني بكافة أطرها وأشكال مقاومتها.

وشهدت الساحة الفلسطينية معارك عنيفة استهدفت نزع الصفة التمثيلية عن المنظمة، أو على الأقل نزع صفة الوحدانية عن التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني، وجميعها باءت بالفشل رغم دعم قوى إقليمية ودولية لمجموعات الخفافيش التي شكلت رأس حرابهم للنيل من منظمة التحرير الوطني الفلسطيني، ولو كان الهدف النيل من المنظمة كإطار تنظيمي دون صفتها التمثيلية لتحقق الأمر بسهولة، لكن الصفة التمثيلية تعني الحفاظ على الشعب الفلسطيني موحدا في معركة التحرير، وكنس الاحتلال من أرض الوطن الذي شكل تاريخيا مقبرة للغزاة بكافة جنسياتهم.

والآن تعيش القضية الفلسطينية مرحلة صعبة، عنوانها السابع من تشرين أول، الذي شكل مفصلا مهما في تاريخ القضية الفلسطينية، سواء من موقع الرفض والتنكر لهذا الحدث في هذا اليوم، أو من موقع المؤيد له. فالقضية الفلسطينية قفزت قسرا من جوارير ورفوف الأمم المتحدة والبيت الأبيض، والاتحاد الأوروبي وغيرهم، لتستعيد زخمها وقوتها وضغطها في جميع الساحات.

وأمام هذه المرحلة، وازدواجية واقتران البطولات بحجم الدمار وشلالات الدم المسكوب على أرض غزة، التي سجلها الوعي في هذه اللحظات التاريخية، لا بد من استثمار هذه الثنائية سياسيا، بتحقيق الدولة الفلسطينية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة كثنائية، إقامة دولة يهودية بجانب دولة فلسطين، فإن بطل الشق الثاني يبقى لزوما بطلان الشق الأول. وعليه بدلا من المناداة بحل الدولتين، يجب تصحيح الشعار بالمطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية، بموجب القرار الأممي، فدولة فلسطين هي غير المقامة، فلماذا نطالب بدولتين، المطلوب تنفيذ القرار الأممي لتكون الدولة الثانية بجانب الأولى التي فرضها على شعبنا المجتمع الدولي ظلما وقهرا. وهذ الشعار واستثمار الحالة الفلسطينية الآن لن يتحقق دون وحدة القيادة السياسية الفلسطينية.

وإذا كان جميع هذا الدم والدمار لم يحقق الوحدة الفلسطينية، فما المطلوب إذن، هل قتل ما تبقى من شعبنا في غزة؟؟!! المطلوب فقط تحقيق وحدة الشعب الفلسطيني وقيادته في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم الوقوف وقفة بلهاء أمام تشنجات هنا أو هناك، لاستيعاب جميع القوى والأطر الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وإذا كانت جميع الاجتماعات في مكة والقاهرة والجزائر وموسكو وبكين لم تجدِ نفعا، ولم تحقق شيئا، لا بد من تدافع المناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني ليشكلوا ضواغط حقيقية إنقاذا لشعبنا وما يتربص به تحت شعار اليوم الأول بعد انتهاء العدوان.

وللعلم أنه ليس بإمكان أية قوة مهما كان حجمها أو لونها إقليمية أو دولية أن تشكل بديلا لمنظمة التحرير الفلسطيني، أو إطارا موازيا كشريك في التمثيل للشعب الفلسطيني.

إن سلاح الكنيسة في العصور الوسطى لن يجدي مع كل من لديه حسٌّ بالمسؤولية الوطنية تجاه شعبه. وعليه، لا بد لقيادة منظمة التحرير أن تستوعب أي حراك يؤتي بنتائج لصالح وحدة شعبنا، من موقع الثقة بكادر عرك النضال منذ ما يزيد عن خمسة عقود، وهمه فقط قوة منظمة التحرير واستيعابها لكل طاقات وقوى الشعب الفلسطيني، مع إدراك أن المقاومة في غزة الآن هي استكمال لمدرسة حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.