مرة واحد محشش

نشر بتاريخ: 11/06/2011 ( آخر تحديث: 11/06/2011 الساعة: 11:42 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

كتب رئيس التحرير - اخر نكتة وصلتني اثناء كتابة هذه المقالة كانت من الدكتور المناضل احمد الطيبي وضحكت عليها ، لكنني شعرت انها فعلا تمثّل الواقع وليس للمحشش اي ذنب ، واشارككم اياها :
مرة واحد محشش راح يخطب بنت ، سألوه اهلها انت شو بتشتغل واحنا لازم نسأل عنك قبل الموافقة فقال لهم :
انا واللهي من البروفايل للبيج ومن البيج للبروفايل ، لا بروح يوتيوب ولا ماسنجر وما عندي صحاب هاكرز ولا بروفيلات مزوّرة وحتى اسالوا عني عالفيس بوك وشوفو سمعتي .

نكتة اخرى وصلتني : واحد محشش مقطوع في الطريق بين المدن ، مرّ مدير المخابرات واخدوا معو توصيلة ، في الطريق قلبت سيارة المخابرات ، قام المحشش قاللو " واللهي يا سيدي سواقتك ممتازة بس انا اللي ما كنت قاعد مزبوط " .

تنتشر مؤخرا بين الفلسطينيين وعبر الرسائل القصيرة والانترنت مجموعة كبيرة من النكات والتي تبدأ بعبارة ( مرة واحد محشش ) وقد لفت انتباهي ان العديد من النكات جرى تأليفها وقولبتها في داخل المدن لتكون فلسطينية بالمضمون والشكل ، اي ان الشبان انفسهم يقوموا بتأليفها ، ورغم ان الحشيش ليس منتشرا في المجتمع الفلسطيني بالشكل الذي ينتشر فيه في مجتمعات عربية وغربية اخرى ، الا ان اصرار الناس على استخدام ( الحشاش والمحشش) في كل نكتة يجعلنا نتساءل عن خلفية الامر سيكولوجيا وسوسيولوجيا .
ويتضح من مراقبة اولية للنكات ان ( محشش ) تعني الشخص الذي يقول ما يريد ويفكر كيفما يشاء ويصل الى النتيجة التي يراها مناسبة له بعيدا عن النفاق الاجتماعي و" الادب " والالتزام فيخرق القوانين ويضرب بعرض الحائط كل اللوائح ويكسر حواجز الممنوع ويحطم تماثيل التابو ويغرق المنطق في مستنقعات الحيرة ويفجّر الالتزام في خنادق حرب البقاء .
بل انني قد وجدت ان ( محشش ) ليس سوى العقل الباطني لكل واحد فينا ، هو الذي يقول ما لا نفعل ، هو الشخص المجنون الذي لا يعاقب ويقبل المجتمع سخافاته او ثورته على اللوائح والقوانين بضحكة عملا بمقولة افلاطون ( ما يفكر به العقلاء يقوم به المجانون ) .
والمحشش ينتقد الرئيس وفتح ويهاجم الاجهزة الامنية ويسخر من حماس ويطلق النكات على رجال الدين ويطعن ايديولوجيا اليسار بخنجر المزاح دون ان يغضب منه احد او يطالب باعتقاله وتقديمه للمحاكمة . المحشش هو الوحيد الذي يشتمنا فنضحك ، ويفاجئنا فلا نرد عليه ، ويحقّر معتقداتنا فنطلب منه المزيد والمزيد . هو الذي سؤل عن الزواج المبكر فاجاب : اي ساعة بالضبط ؟؟ وسؤل عن نقض الوضوء فاجاب ان الامام نقض وضوءه خوفا من الاباتشي ونضحك ونضحك . هو الي يرسم صورة كاريكاتورية للرؤساء والقادة ويطلق النكات الجارحة والساخرة ضدهم فنضحك . حتى ان عدد من القادة كانوا يتسابقون من هو الاسرع في نقل النكات للزعيم عرفات وهي نكات كانت بالغالب تستهدفه شخصيا وكان يضحك عليها ولا يغضب .
اجهزة المخابرات تتسابق في جمع النكات لانها تمثل عينة عن المزاج الشعبي العام ، ويعرف قادة المخابرات من خلالها اذا كان الناس يشعرون بالغضب او الندم او الملل او الثورة او الهدوء او السعادة !!وخصوصا انها غنية بعناصر التلقائية و الدلالية للتعابير و الرموز الثقافية وخاصة لارتباطها بالواقع الاجتماعي و المعيش اليومي. و في هذا الإطار تتنزل " النكت السياسية و الشعبية ".
ولا داعي لتكرار القول ان النكتة تمثل التعابير الرمزية و المخزون الثقافي المكثّف للحالة النفسية للمجتمع و تكشف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الجوانب الخفية و الحقيقية للمجتمع سواء أكانت في شكل مواقف أو تطلعات أو رغبات مكبوتة.
صحيح ان النكتة تثير الضحك او تتعمد استخراج الضحك ، الا انها تمثل وصفا دقيقا للواقع المعاش ، مع الاشارة ان هناك جهات اجنبية صارت تستخدم النكتة عن قصد لخلق مناخ سيكولوجي ، فاسرائيل والتلفزيون الاسرائيلي واعداء الزعيم عرفات كانوا يتعمّدون نشر النكات ضد عرفات للحط من مكانته وتأليب الرأي العام ضده !!
ورغم ان علماء الاخلاق وعلى رأسهم اليهودي الاوروبي "شوبنـهاور" اعتبر النكتة في القرن الثامن عشر عملية ابداعية قصدية تستهدف اضحاك الآخرين و تسليتهم. فهي حسب رأيه " محاولة لإثارة الضحك على نحو قصدي، من خلال احداث التفاوت بين تصورات الناس و الواقع المدرك، عن طريق ابدال هذه التصورات على نحو مفاجىء، في حين تظل عملية تكوين الواقع ( الجاد) مستمرة"...
الا ان عالم النفس اليهودي "فرويد" اعتبر النكتة كاحدى الوسائل الدفاعية اللاشعورية التي يعتمد عليها الانسان لمواجهة الضغوطات الناجمة عن العالم الخارجي، مثلها مثل سائر الوسائل الدفاعية الأخرى تحاول أن توجد نوعا من التوازن النفسي و اخراج الدوافع و الطاقات المكبوتة... وانا اتفق مع فرويد اكثر مما اتفق مع شوبنهاور .

وعودة الى المحشش فمن اولى مهامه مخالفة النمط السائد في التفكير ، وقد تعمّدت ان اسأل العديد من الذين ينشرون النكات اذا كانوا جرّبوا تدخين الحشيش فأجابوا بالنفي . وسألتهم اذا كانوا يعرفون من خلال علاقاتهم احدا من مدمني الحشيش ؟ فأجابوا بالنفي . ومع ذلك كانوا يستلذون جدا لمنطق النكتة المخالف للنمط السائد .

سرعة الانتشار والاختصار المقتضب صفتان ملازمتان للنكتة ، وهو امر يجعل من شبه المستحيل السيطرة على النكتة .بل ان الحكومات التي حاولت ان تحارب النكتة ساهمت عن غير قصد في زيادة انتشارها .
ان قسوة الظروف المعيشية ووقت الفراغ تساهمان بشكل كبريتي في اشعال ميكانيزم بناء الشخصية الاساسية في النكتة الشعبية ، ورغم ان ميلاني كلاين وهي عالمة نفس ( يهودية ايضا ) تتحدث عن التقمّص الاسقاطي في علم النفس وما يخص المرحلة الفمية، حيث يقوم الفرد بإسقاط شخصيته و ذاته داخل الموضوع بهدف الإمتلاك، و حتى التحكم بشكل قاسي ومؤذ.

و مصطلح التقمص الإسقاطي تم وضعه من طرف ميلاني كلاين للدلالة عن أولية تتلخص في هوّامات يقوم الشخص فيها بإسقاط شخصيته بصفة جزئية أو كلية داخل الموضوع بغية التحكم و إلحاق الضرر. و الهدف من التقمص الإسقاطي هو إلصاق الصفات الذاتية بآخر أو تشبيهها به بشكل إجمالي أو كلي.

ويبدو ان النكتة قد تكون - وهي غالبا في العالم الثالث - عدوان لفظي سادي على الاخرين ، فترى ان الناس يشنّون هجوما من النكات ضد اهل مدينة دون غيرها وحتى لا يتحمّلوا المسؤولية يقولون ( مرة جحا ... او مرة مواحد محشش ... او مرة واحد سكران ... ) والحقيقة ان جحا رحمه الله والمحشش شفاه الله والسكران الله لا يقيموا . لا دخل لهم ابدا في كل هذا العدوان اللفظي على الاخرين .

و خلاصة الفكرة أن التقمص الإسقاطي هو نقل لكل الصفات المرفوض وجودها في الذات إلى الخارج و إسقاطها على مواضيع الحب الخارجية بهدف التحكم فيها و محاولة تحطيمها لأنها تشكل منبع قلق شديد للذات.

قصدت ان اقول ان النكتة الفلسطينية مليئة بالعدوان والسخرية هذه الايام ، مليئة بالضغط النفسي والتقمص الاسقاطي والعدوان اللفظي والازدراء للاخر وضرب القوانين واللوائح بعرض الحائط . اي انني اقول : قللي نكتة اقل لك من أنت.