السم في الدسم

نشر بتاريخ: 27/02/2015 ( آخر تحديث: 27/02/2015 الساعة: 10:02 )

الكاتب: مروان خضر

ان خطورة ما يجري صياغته في الوطن العربي،لم يعد مقتصرا على تكييف أنظمة حكم تتماهى ومجمل السياسات الأمريكية،وتجاوزت حدود تجنيد(عملاء)بالمفهوم ألاستخباري،بل تعدتها لحدود محاولة تكييف منظومة فكرية وثقافية واقتصادية،تحدد نمط وطريقة تفكير (أجيال) في طريقة قراءة الواقع وتحليله ومعالجته،وتعيد تشكيل المنظومة الاقتصادية في فلسطين خاصة والوطن العربي عامة،على نحو يحقق التبعية الاقتصادية المطلقة وتحويل السوق الفلسطينية والعربية إلى سوق استهلاكية أو بالمعنى الأصح(لمكب نفايات)للمنتج الإسرائيلي ولبعض الدول.

وفي هذا السياق انتشرت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من المنظمات الأمريكية أو حتى الدولية والأوروبية المدارة والممولة من الخارجية الأمريكية،والتي انصبت كافة برامجها نحو استهداف فئات عمرية ستكون هي حتما خميرة التغيير ونواة القيادة المستقبلية لشعوب المنطقة.

وكي لا توضع تلك المؤسسات في دائرة الريبة والشك فيما لو تم تقديمها على أنها إحدى اذرع الخارجية الأمريكية، فقد تم تقديمها وتسويقها على أنها منظمات ومؤسسات إنسانية تمثل حلقة وصل بين الشعوب الأوروبية والشعب الأمريكي المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني.

وليس على قاعدة (الهوس الأمني) فان أي قراءة متأنية لبرامج تلك المؤسسات كفيلة بالتعريف على أهدافها،وهنا سنلقي الضوء فقط على بعض الملامح الرئيسية لتلك البرامج،وبالمناسبة فان فلسطين لم تكن بمنأى عن دائرة أهداف وتحرك تلك المؤسسات،وقد دأبت تلك المؤسسات على تقديم نفسها،على نحو إنساني وسياسي يلامس احتياجات واقع الشعوب العربية وملئ الفراغ الفكري الذي يسود قطاعات شبابية واسعة،واستغلال حاجة الإنسان للانتماء للجماعة(وهي إحدى أهم خمس احتياجات إنسانية يتطلع إليها الإنسان وفق سلم احتياجات (ماسلو).

وفي ضوء ما تعانيه الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة،فقد تمكنت تلك المؤسسات من اختيار عناوين ومسميات وأهداف تدغدغ مشاعر أجيال عانت الفقر والبطالة وانعدام فرص المشاركة والإحباط وبعض مظهر الظلم الاجتماعي والقهر السياسي،وتراجع دور فصائل العمل الوطني في مجال تنمية الشعور الوطني،وبالتالي فقد قدمت نفسها من خلال برامج تتصل بمفاهيم(الديمقراطية والجندرة وحقوق الإنسان،وحل النزاعات،والدور الشبابي)إضافة لتقديم بعض المشاريع الصغيرة للعديد من المؤسسات والتي لا تنسجم مع احتياجات وأولويات المجتمع ،ولا تؤسس لتنمية مستدامة من شانها تحقيق مفهوم الاستقلال والتنمية وفي البداية لا بد من إثارة مجموعة من الأسئلة: 1- لماذا تبذل كل هذه الأموال في ما يسمى (بتوعية الشعب الفلسطيني خاصة والشعوب العربية عامة) لتعزيز مفاهيم حقوق الإنسان ،علما إن المتتبع لأخبار الصحف الأجنبية عامة والأمريكية خاصة،يكتشف بسهولة أن مجموع ما يرتكب من جرائم في أي ولاية أو مقاطعة أوروبية أو أمريكية أسبوعيا،إضعاف مضاعفة عما يرتكب من جرائم في فلسطين عامة.

وعلما أن ما يرتكب في فلسطين من جرائم أو ظلم للمرأة يأتي في سياق فردي يواجه بالإدانة والرفض من قبل الرجل قبل المرأة،فيما تتغلغل في الدول الأوروبية وأمريكية (الجريمة المنظمة)التي لا ترمش لها حتى عين الحكومات ولا تدمع عليها عين مواطن أوروبي أو أمريكي 2- لماذا كل هذا التركيز على مسائلة المشاركة الشبابية(على أهميتها وضرورتها) في صناعة وصياغة المستقبل السياسي،علما أن هناك مقاطعات وولايات ومدن أوروبية بأكملها تشكل حاضنة للمافيا وعالم الجريمة المنظمة وجلها من الشباب العاطل عن العمل،والذي عجزت حكوماتهم عن دمجهم وتأهيلهم ومشاركتهم وتشغيلهم؟ وهل تختلف نسب المشاركة في الانتخابات الأوروبية والأمريكية عن ذات نسب المشاركة في فلسطين خاصة والعالم العربي عامة؟

بمراجعة وقراءة متأنية لمعظم رؤساء وأعضاء الكونغرس والبرلمانات الأوروبية،نكتشف بوضوح إن كل تلك القيادات تنحدر من أصول إقطاعية متنفذة في احتكار كبرى الشركات العالمية.

وبرغم ما تعانيه دساتير العديد من الدول العربية من قصور وعوار،ورغم أن بعضها عفى عليه الزمن،إلا أنها لا زالت تُجرم كثيرا من مظاهر السقوط ألقيمي والأسري والأخلاقي،فيما لا زالت كثير من القوانين الأوروبية والأمريكية (تشرعن) كثيرا من الظواهر المدمرة للقيم والأسرة والمجتمع.

وهل تسمح الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة أوروبية لأي مؤسسة حتى لو كانت محلية أن تمارس نشاطها على أراضيها دونما ترخيص مسبق ودون اطلاع كامل على مصادر التمويل والإنفاق، فيما تقيم الدنيا ولا تقعدها فيما لو طلبت أجهزة الاختصاص في فلسطين أو غيرها من الدول العربية بالترخيص أو الإشراف أن تحصل على إذن أو ترخيص أو حتى تنسيق مسبق مع أجهزة الاختصاص،وترى في ذلك على انه تعد على حق التنظيم المجتمعي.

هل يتم تحديد البرامج والمشاريع التي تمولها تلك المؤسسات من خلال مؤسسات فلسطينية شريكة على قاعدة تحديد أولويات المجتمع وفق الاحتياج والرؤيا الفلسطينية،أم أنها تجبر بشكل أو بأخر المؤسسات الفلسطينية على (تكييف) أنشطتها وبرامجها وفقا لأجندات الجهة الممولة،من خلال اشتراطها بان هذه الأموال مخصصة لتمويل أنشطة وبرامج ومشاريع تتفق مع الخطة الإستراتيجية لتطلعات الجهات المانحة.

ما مدى إسهام تلك البرامج والمشاريع في استحداث خطط( للتنمية المستدامة) في فلسطين أو غيرها من الدول العربية؟ وعي هي في سياق المساعدة على توفير مناخات اقتصادية تنموية من شانها تعزيز الاستقلالية الاقتصادية؟ أم أنها في أحسن أحوالها خدمات إغاثية وفي كثير منها مشروطة بمقيدات سياسية بل وسيادية وطنية أحيانا أخرى؟

ولماذا تشترط كثيرا من المؤسسات الممولة بان يتم تنفيذ تلك البرامج والمشاريع والأنشطة بان تتم بالشراكة بين(الفلسطينيين والإسرائيليين)؟ ولو توقفنا عند حدود الإجابات المفترضة لمثل هذه الأسئلة لأمكننا بوضوح أن نستدل ،بان الهدف الحقيقي وراء كثير من تلك البرامج والمشاريع والأنشطة إنما تأتي في سياق نهج مبرمج ومعد له بعناية ،يهدف لإحلال مفاهيم وثقافات برجماتية مشوهة لتحل محل المفاهيم والقيم الوطنية،وتهيئ لإبقاء المنظومة الاقتصادية الفلسطينية والعربية في عوز دائم لفتات أموال الدول الأوروبية والأمريكية.

وما هو أكثر مدعاة للانتباه والتيقظ،هو الجاهزية العالية لدى بعض الأوساط الفلسطينية للتعاطي مع تلك الأموال والأجندات إما على قاعدة الانبهار (بالصورة الزائفة) التي يقدمها الإعلام الغربي والأمريكي لمعاني الديمقراطية والمشاركة والجندرة وحقوق الإنسان والمرأة، وإما سعيا لتحقيق الذات حينا،والاسترزاق حينا،وتعزيز النفوذ أحيانا كثيرة.

قد تكون الحالة الفلسطينية والعربية في وضع لا يمكنها من رفض التعاطي المطلق مع تلك الجهات،إلا أنني اعتقد جازما أنها في وضع يسمح لها ويمكنها من نشر حالة من التيقظ لمثل ما يعد له من جهة،وعلى نحو يمكنها من صياغة إستراتيجية أهلية وطنية، تؤسس لمحددات وضوابط التعامل مع تلك الجهات،ووضع حد للتهافت على فتات أموال تقدمها تلك المؤسسات والمنظمات الأجنبية .