الحفاظ على الذات

نشر بتاريخ: 01/03/2015 ( آخر تحديث: 01/03/2015 الساعة: 09:23 )

الكاتب: عثمان أبو غربية

في إطار محاور المواجهة والتصدي المتعدد الأشكال فإن محور الحفاظ على الذات والبقاء في أرض الوطن وفوق ترابه يتنامى في سلم الأولويات ويستحق منحه برامج تعزيز ما يتم وتلافي نواقصه.

ما من شك أن العمل على جبهات الوضع الدولي وعدم إراحة الاحتلال، وذلك بكافة أشكال المقاومة المناسبة والمجدية، وكذلك العمل في إطار تعزيز أوراق القوة وطنياً وإقليمياً ودولياً هي أمور أساسية وتستحق بذل المجهودات والدماء لاسترداد أو الحفاظ على زمام المبادرة فيها جميعاً.
ولكن واضافة إلى الأهمية التاريخية الدائمة لمحور الحفاظ على الذات، فإنه في ظل ميزان القوى العربية الراهن والتوغل والإطراد في توفير مناخات طاردة من قبل الاحتلال إلى جانب كل انتهاكاته وبرامجه في المحاور الأخرى، من الواجب الآن وضع برنامج حقيقي يتوفر له التفهم الوطني والشعبي والقومي في آن واحد. إن الحفاظ على الوحدة مع الشعب والتماسك الشعبي هو أساس المواجهة وأساس القدرة على التحدي.

من هنا فإن مراجعة هامة لدرجة التماسك مع الجماهير ومنحها الأولوية في الخطاب والتعبئة ووضوح التحديات والمواقف هو أمر في غاية الضرورة الحتمية.
يتنامى عمل الاحتلال في تعزيز المناخات الطاردة انطلاقاً من أنه يريد أرضاً بلا سكان ومن مبدأ أولوية الهجرة إليه والاستيطان، في العديد من المجالات وخاصة ثلاثة محاور، يركز فيها على تشكيل مناخات طاردة صعبة للإنسان الفلسطيني هي:

أولاً: المحور الاقتصادي، وذلك بتوفير خناق إقتصادي لا يتمثل بالحصار الاقتصادي ومنع الإمدادات المالية بطريقة من الطرق واختراق الاقتصاد الفلسطيني وتهميشه، وإنما كذلك بتدمير أسس الاقتصاد الفلسطيني التي قام بتدمير معظمها فعلياً، وهو الآن يتطلع إلى الإجهاز على بقاياها.
كان من أهم مصادر الاقتصاد الفلسطيني الزراعة والسياحة، وخاصة الدينية والصناعات الصغيرة، ونحن نلمس تماماً مدى التقلص المطرد في كل منها بشكل دوري ومستمر.

في نطاق الزراعة تمت مصادرة المياه والاستيلاء على مخزونها وحتى سيلانها، وكذلك مصادرة الأراضي التي يمكن فيها إحداث التطوير الزراعي، وتدمير الأراضي المزروعة وقطع الأشجار والاستيلاء على المحاصيل ومنع المزارعين من التمكن من متابعة مزروعاتهم سواء بواسطة الجدار أو الاجراءات العسكرية في الأغوار، حيث تتم إقامة الانتاجات الاستيطانية المجزية فيه، وكذلك إحداث الكساد للمنتوج الزراعي الفلسطيني أمام المنافسة الباهظة مع المنتوجات الاحتلالية.

أما في نطاق السياحة فقد تمت مصادرة كل فرص ومفاصل الدخل السياسي، حيث أن السائح يحضر بوسائل النقل الاحتلالية وبدرجة كبيرة عبر المعابر الاحتلالية أو التي يسيطر عليها ويتنقل في حافلات شركاته، ويستمع إلى رواية مرشديه السياحيين، ويقيم في الفنادق التي لديه، وهو يحارب وبكل الوسائل أي صرف سياحي إلى درجة أنه دأب على إيهام السياح أن لا يأمنوا للمناطق العربية وللبائعين العرب وسبق وتم الحديث على تكليفه لبعض المتعاونين القيام بالسرقات وعمليات الاحتيال على السياح لإساءة سمعة المناطق التي تكتظ بالمواطنين العرب وعزل السائح عن سماع رواية غير رواية مرشده السياحي.
وكذلك تم تدمير الصناعات من خلال إما تدمير المصانع أو قطع سبل عملها أو جعل انتاجها ونقله باهظاً، علماً أن هذه الصناعات كلها صناعات صغيرة، وفي النادر فإنها صناعات متوسطة. لقد قل بشكل ملموس عدد المصانع الصغيرة وخاصة في مدن الخليل ونابلس من خلال المناخات التي تجعلها غير قادرة على الاستمرار، وكذلك تم تدمير المصانع في غزة من خلال القصف والضربات العسكرية، وفي غيرها من المدن الأخرى.

ثانياً: المحور الأمني، إضافة إلى إجراءاته القمعية ومطارداته وعمليات القتل والأسر والإبعاد والهدم وغيرها، فإن الاحتلال يسعى إلى توفير مناخات أمنية تتعذر فيها الحياة الطبيعية على المواطنين العرب، وهو يحاول تغذية هذه المناخات أولاً عبر الفتن والانقسامات الداخلية ونشر الفوضى والفلتان الإجرامي، وقد ركز في الفترات الأخيرة على محاولاته بالعبور عبر كل الثغرات الداخلية أو التمايزات المجتمعية والجهوية وغيرها. في حقيقة الأمر هناك مناعة لدى الشعب الفلسطيني لم تسمح للاحتلال حتى الآن بتحقيق المستويات التي يريدها. وقد ظهر تركيزه على اللجوء الى استفزازات وتعديات المستوطنين خاصة مع ازدياد أعدادهم في الضفة وتسليحهم وتدريبهم ومساندة الجيش وقوات الأمن لهم، حتى أصبحت الحركة على الطرقات غير آمنة، وحركة القرويين إلى أراضيهم غير آمنة ومحاصيلهم وأشجارهم ومزروعاتهم غير آمنة، وما زال يستفحل هذا الأمر بموازاة استفحال العمل على استخدام بعض المرتبطين معه لأحداث الفتن والانقسامات وإجراءات التعدي على المواطنين وإنتهاك أمنهم.

ثالثاً: محور التخريب الاجتماعي والتخريب النوعي للإنسان الذي يمارسه الاحتلال بالعديد من الوسائل سواء بالإسقاط الأمني أو الأخلاقي أو نشر آفة المخدرات وحتى النزعات الخاطئة.
ثمة مشكلة كبيرة أمام الشباب حيث يسعى الاحتلال إلى تحقيق قناعة لديهم أن لا مستقبل لهم في وطنهم، ويساعد على ذلك إضافة لمحاولته نشر المناخات الموبوءة عدم القدرة على استيعاب أعدادهم وخاصة خريجي الجامعات في سوق العمل الفلسطيني.
يعاني الخريجون من إنعدام فرص التوظيف كما تعاني السلطة من تخمة التوظيف، وكذلك فإن الفعاليات الإنتاجية غير متوفرة لاستيعاب الأعداد التي تتزايد عاماً بعد عام. ولا يبقى إلا فرص قليلة في مجال قطاع الخدمات التي تتناقص قدرتها على الاستيعاب كذلك.
هذه المحاور للعمل الاحتلالي وغيرها وكثير من التفاصيل الأخرى هي ما يستوجب تركيز المجهودات ووضع الحد الأقصى الممكن من البرامج في إطارين: الممكن المتوفر، وتعويض نقص الإمكانيات بالمجهود الإنساني والبناء المعنوي المستمر.
يتمتع الشعب الفلسطيني بأرضية خصبة، لذلك من خلال إيمانه بالصمود وقدرته على الصبر ومواجهة قسوة التحديات.
من الواجب وجود برامج تعزز روح الصمود والبقاء في الوطن وفوق ترابه وهي تستند إلى كل هذه الكثافة من طاقة الصمود لدى الشعب.

وفي هذا الإطار هناك استحقاقات ومهام عمل أساسية يجب استمرار السعي لتوفيرها. ما من شك أن بعضها يتعلق بالعمل في الاتجاه العربي والإسلامي والإنساني، ولكن جزئها الآخر يتعلق بالعمل الوطني الفلسطيني الذاتي وهو ما يتلخص بما يلي:
أولاً: تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيزها في كل مجالاتها ومستوياتها وتوفير كافة مستلزماتها، لأن قوة التماسك الوطني هي الأساس الحقيقي لسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الاحتلال، وهي الأساس للقدرة على التصدي ومواجهة التحديات.
ثانياً: ضبط برامج العمل الرسمية وتكريسها على أساس أولوية الحفاظ على الذات والصمود في الوطن. وبناء اقتصاد المحافظة على الذات.
ثالثاً: الإصلاح ومكافحة كل مظاهر الفساد وما ينطوي عليه من هدر أية قيمة أو أمكانيات يحتاجها الواقع الوطني.
رابعاً: الإصلاحات التنظيمية في كافة التنظيمات والتشكيلات الفلسطينية وتمتين البنى وتصحيح مساراتها ومكافحة النزاعات الخاطئة.
خامساً: ضبط الإيقاع بين هذه البنى جميعاً وفي نطاق الأداء الوطني على كل الصعد بما فيه المنظمات الأهلية والقطاع الخاص والاستثمارات ليكون كل ذلك موجهاً في نطاق تحقيق الأهداف الوطنية.
سادساً: في ظل هذه القيود على القطاعات الاقتصادية وقلة الموارد لا بد من الاعتماد على الموارد البشرية والتعليم وتحقيق قفزة تعليمية كبيرة، والتركيز على البحث العلمي والتربية وبناء الإنسان، لأن بناء الإنسان هو المقدمة لبناء المجتمع والمؤسسات وتوفير رأسمال وطني هو الإنسان.
سابعاً: التركيز على البناء النوعي للأجيال الشابة ذكوراً وإناثاً وتربيتهم وتحصينهم وتعزيز مناعتهم ضد التخريب النوعي للإنسان وإعطائهم فرص المسؤولية والدور الوطني والعمل لتوفير أقصى ما يمكن من فرص العمل.
ثامناً: التلبية بالحد الأقصى الممكن لإحتياجات المواطنين وتوفير العدالة الإجتماعية والتكافل الإجتماعي الإلزامي والطوعي.
لا بد من التكافل الوطني للتخفيف من أعباء الفقراء وتعزيز قدراتهم على البقاء والتطور النوعي. خاصةً وأننا نرى أبناء الفقراء هم الأكثر عطاءاً أو في مقدمة من يبذل التضحيات من أجل الحرية والكرامة وزوال الاحتلال سواء في المدن أو القرى أو المخيمات. إن ذلك سيعزز الشعور بالعدالة والمشاركة والتماسك.
تاسعاً: النهوض بالثقافة، الرمز القومي، ثقافة الصمود، وثقافة الخصائص والتاريخ الفلسطيني العربي، وثقافة الرواية الفلسطينية، التعبئة المعنوية والوجدانية، ومن ناحية أخرى التفعيل الثقافي العام، الذي يعوض العبث في المناهج التعليمية وتغييرها من قبل الاحتلال، يجب أن ندفع إلى الأمام بكل اتجاهات الثقافة الوطنية والعربية.

إن توفير كل مستلزمات البقاء في الوطن هو إضافة تعزز روح الصمود وإرادة البقاء الصلبة التي يمتلكها الإنسان الفلسطيني وهو يدرك أنه غير منفصل عن عمقه العربي القومي.