الخميس: 22/10/2020

أطفال ولدوا بالسجون ... ليسوا مجرد ارقام

نشر بتاريخ: 27/01/2016 ( آخر تحديث: 27/01/2016 الساعة: 14:34 )

الكاتب: فردوس عبد ربه العيسى

براء، حنين ، فلسطين، وطن ، نور ويوسف ليست مجرد اسماء ولم تلفت هذه الاسماء انتباهي كونها اسماء جميلة او ذات دلالة ومعنى عميق بل ما لفت انتباهي انها اسماء لاطفال رافقوا امهاتهم رحلة من العذاب والتعذيب وشهدوا على واحدة من ابشع التجارب التي اقل ما يقال عنها انها غير انسانية. هؤلاء الاطفال أجبرت امهاتهم على ولادتهم في المعتقلات الاسرائيلية بحجة ان الامهات يهددن امن اسرائيل وارتكبن أفعال تخريبية.
منذ عام 1967، بداية الاحتلال الاسرائيلي ، فإن 10 اسيرات انجبن اطفالهن داخل السجون وهن: زكية شموط انجبت نادية، واميمية الآغا انجبت حنين، وميرفت طه انجبت وائل، وماجدة السلايمة انجبت فلسطين، وسمر صبح انجبت براء، وفاطمة الزق انجبت يوسف، ومنال غانم انجبت نور ، وسميحة تايه انجبت ثائرة، وعائشة الكرد نجبت ياسر، وانتصار القاق انجبت وطن.

ان تجربة الحمل والولادة تعتبر من التجارب السارة في الحياة فهي ترتبط بالانتاجية واستمرار الحياة والحفاظ على النوع هذا في حال تمت بسلام وفي ظروف انسانية " طبيعية". وفي ظروف اخرى قد تكون من اكثر التجارب قسوة وايلاما وقد تترك اثار نفسية وصحية على الام والطفل خصوصا اذا كانت هذه الظروف غير انسانية وقاسية وتنقصها التغذية السليمة والرعاية الصحية. وكأن تتم عملية الولادة على يد طبيب، ممرضة او قابلة لا يمكن الثقة بهم، فهؤلاء يعملون ضمن فريق يمارسون التعذيب ويجيزون استمرار الاعتقال ويعطون تشخيصات طبيه مفادها امكانية استمرار اعتقال الاسيرة او استمرار التحقيق معها او ايداعها الحبس الانفرادي فهي لائقة صحيا للاعتقال وفق معاييرهم.

لقد بينت العديد من شهادات النساء اللواتي اعتقلن في الاشهر الاولى من الحمل واجبرن على ولادة اطفالهن في المعتقل: انهن واجهن ظروفا صعبة للغاية وانهن طوال شهور الحمل وحتى موعد الولادة لم يحصلن على العناية الطبية الكافية وان سلطات الاحتلال كانت تنقل النساء الحوامل في ظروف صعبة وتحت حراسة امنية مشددة وهن مكبلات الايدي والارجل بالقيود المعدنية، ولم تسمح لاي من افراد اسرتها او اقربائها من مرافقتها او حضور الولادة، كما وتم تقيدهن في الاسرة بالسلاسل المعدنية اثناء عملية الولادة. وهذا ما تاكده الاسيرة المحررة سمر صبيح من مخيم جباليا، 24 عاما، أمضت 28 شهرا في المعتقل، وقد أنجبت أبنها براء في المعتقل ، انها لم تفك قيودها الا عندما ادخلت الى غرفة العمليات وبعد ان تمت عملية الولادة اعيدت القيود ثانية وتم تقيدها في السرير بالرغم من انها قد رفعت دعوى قضائية من اجل السماح لها ان تولد دون ان يتم تقيدها. ان اساءة المعاملة والاهمال الطبي المتعمد من قبل مصلحة السجون لم يطال الام الاسيرة فقط بل ايضا عانى منه الاطفال الرضع فلم تقدم لهم الرعاية الصحية الكافية بما في ذلك تاخير جرع التطعيم ونقص الحليب واغذية الاطفال وهذا ما اشارت اليه تقارير مؤسسة الميزان لحقوق الانسان(2009 ) وتقرير منظمة الصحة العالمية (2006).

تشير النظريات البيولوجية ان ظروف الحياة القاسية التي تتضمن نقص التغذية، العيش في اماكن غير صحية ورطبة ولا تدخلها الشمس، وغياب العناية الطبية بالأم الحامل جميعها تشكل عوامل خطر، فكيف بالحال اذا اضيف لها التعرض للتعذيب والشبح والحرمان من النوم لايام والتهديد بالقتل والتهديد باجهاض الجنين وغيرها من اساليب التعذيب النفسي والجسدي التي تتعرض لها النساء المعتقلات. أذا اجتمعت هذه الظروف فان عوامل الخطر بالتاكيد سستتضاعف وقد تؤدي لمعاناة الوليد من امراض واعاقات دائمة ومنها التخلف العقلي، واستسقاء النخاع الشوكي( وهو عبارة عن خلل في تكوين العمود الفقري مما يؤدي الى تشوهه وعدم قدرته على الحفاظ في الحبل الشوكي بوضعه ومكانه الطبيعي)، وتشير ايضا الى أن الذين يجبرون على العيش بنوعية حياة متدنية ويتعرضون لظروف غير انسانية وظروف معاناه لفترة زمنية طويلة ، يعانون من ارتقاع معدل الهرمونات ومنها هرمونات القلق والتوتر، فالاسيرات الفلسطينينات يتعرضن للاعتقال ولسوء المعاملة والتعذيب اثناء فترة الحمل التي تعتبر بحد ذاتها مرحلة ضاغطة وصعبة وتحمل الكثير من التغيرات الهرمونية بدون ان ترافق بظروف غير انسانية، مما يجعلهن واطفالهن عرضة لاضطرابات جسمية واضطرابات نفسية مختلفة.

لقد عملت مصلحة السجون وبشكل منهجي ومخطط على التعذيب المزدوج للامهات وللاطفال وذلك من خلال، حرمان الاطفال الذين ولدوا في المعتقلات من الحصول على فرص ووسائل النمو الطبيعي والصحي وذلك من خلال حظر حصولهم على الالعاب، وان حصلوا عليها فهي اما تصادر بعد فترة وجيزة او انها لا تكون متناسبة مع مراحل نموهم المعرفي واللغوي والاجتماعي. فكما جاء في النظريات التربوية ان اللعب هو اللغة التي يستخدمها الاطفال ليتواصلوا بها مع الاخرين والعالم، ومن خلال التجريب والتقليد واللعب يتعلم نطق الحروف والكلمات فكيف للوليد المعتقل مع امه ان يحظي بهذا الامر، مع العلم ان حق اللعب في بيئة امنه هو حق من حقوق الطفل. كما وان اسرائيل ابقت على الاطفال معتقلين مع امهاتهم في ظروف غير انسانية وغير طبيعية وبذلك فقد اجبر على العيش بعالم محدود وضيق ومحاصر، يفتقر لمقومات الحياة وتنقصه المثيرات والمحفزات التي تعزز النمو الطبيعي.

فالطفل وفي مراحل نموه المختلفه يحتاج الى توفر امكانيات للحركة والاستشكاف وهذا ما لا توفره الغرف والزنازين الضيقة التي يجبر الطفل وامه على البقاء فيها.وهذا ما اكدته المحررة سمر صبيح ان طفلها براء ومع بداية تعلمه الكلام والنطق اخذ يردد عبارت ويطرح اسئلة ما هي الا انعكاس للبيئة غير الطبيعية وغير الانسانية التي اجبر على العيش فيها كسؤاله لامه( اين السجن؟ لماذا نحن في الخارج ؟). أن جعل عالم الاطفال يقتصر على عدد محدود من الناس يعيق من قدرتهم على التفاعل الاجتماعي وقد يتسبب لهم بمخاوف مستقبلية من التعامل مع الاشخاص الجدد أو مع الغرباء حتى لو كان هؤلاء هم العم او الخال او الجد. كما وان هؤلاء الاطفال اجبروا على العيش والتواصل فقط مع البالغين وحرموا من التواصل مع ابناء جيلهم مما يحول دون اكتسابهم لمهارات انشاء علاقات اجتماعية مع اقرانهم لاحقا. وهم ايضا اجبروا على الاقامة مع اشخاص من نفس الجنس وفي هذه الحالة (الاناث) خصوصا اذا كان جنس الطفل (ذكر) الامر الذي قد يقود الى اضطراب في الهوية ويحول دون قدرتهم على التفاعل مع جنسهم الذي ولدوا به كما جاء في نظرية سيجموند فرويد للنمو.

لم تتوقف الانتهاكات الاسرائيلية للمعايير الانسانية عند هذا الحد ، فسلطات الاحتلال تستمر في معاقبة وتعذيب هؤلاء الامهات من خلال تهديدهن او من خلال الانتزاع الفعلي لاطفالهم وحرمانهم من الزيارة . وبالرجوع الى الدراسات المختصة بالصحة النفسية تشير الى ان ابعاد الطفل عن امه في مرحلة مبكرة من العمر وبطريقة قسرية ومفاجئة يؤدي الى معاناته من اضطرابات نفسية وجسدية واجتماعية ومنها القلق والخوف والتي قد تستمر لفترة زمنية طويلة. وقد تظهر لديه اعراض ومنها رفض الذهاب الى المدرسة، والخوف والحزن الشديد ، شكوى دائمة ومستمره من الالام جسمية ومنها الصداع ، والالام المعدة والبطن، وقد يعاني ايضا من اضطرابات النوم وكوابيس واحلام مزعجة ومتكررة، الانطواء وفقدان الشهية. كما أن الطفل الذي يتم ابعاده عن امه وعن مصادر الاشباع المادي والعاطفي والاجتماعي يقود الى انعدام الشعور بالامان والخوف من الفقدان وزيادة التعلق بالام. اما الامهات فانفصال ابنائهن عنهن بشكل قسري يزيد من قسوة الاعتقال ويؤدي الى الشعور بالقلق الشديد والخوف والحزن والكابة.

ان اسرائيل من سياساتها القمعية والتي تنفذها شرطة مصلحة السجون بحق النساء الفلسطينات الحوامل وبحق اطفالهن الذين ولدوا داخل السجون قد تنجح في ترك بصمات واثار نفسية وجسدية سلبية لدى هؤلاء، ولكنها لا تعي انها قد تسهم في ايجاد جيل يختلفون في سماتهم الشخصية وفي صلابتهم عن غيرهم ممن اختبروا الاعتقال والقهر في مراحل لاحقة في حياتهم. اسرائيل من خلال تلك الممارسات تحاول بناء شخصية اجيال فلسطينية طيعة، شخصية قابلة للتشكيل، واعادة التشكيل، لذلك فهي توغل في القمع والعدوان ، ولكنها لم تدرك انها بذلك قد اوجدت جيلا لا يمكن ان يقبل بما هو غير طبيعي على انه طبيعي.