الأربعاء: 17/07/2024 بتوقيت القدس الشريف

عالَم "توماس هوبز" الفلسطيني

نشر بتاريخ: 29/02/2016 ( آخر تحديث: 29/02/2016 الساعة: 10:48 )

الكاتب: د. حسن أيوب

مرة ثانية خلال أقل من أسبوع، تعود مكبرات الصوت من المساجد لتدعوا طلبة المدارس باسم وزير التربية والتعليم للعودة إلى المدارس صباح يوم غد الأحد. تثير هذه الوسيلة الكثير من الاستغراب، إن لم نقل الاستخفاف بين أوساط الجمهور. إذ إن أبسط أبجديات الحكم وممارسة السلطة السياسية تشير إلى أن هذه الوسيلة هي وسيلة شاذة وغير مألوفة وليست من بين الوسائل والأدوات المؤسسية في إدارة الشأن العام. لماذا وكيف وصلنا إلى حالة يلجأ معها وزير إلى هذه الوسيلة؟ لماذا يلجأ المزيد من الناس إلى أسلوب المناشدات للاستجابة لمعاناتهم ومطالبهم الاجتماعية؟ لماذا وكيف يمكن أن تقوم مجموعات من المسلحين بإغلاق ساحات وميادين وطرق في مدن رئيسية بسبب وبلا سبب؟ كيف يمكن أن يتم التصدي لالاف المعلمين المحتجين سلميا على ظروفهم المعيشية والوظيفية بنصب الحواجز الأمنية وتقييد حريتهم في الحركة وانتهاك حقوقهم وحرياتهم المكفولة بالقانون؟ كيف يصدر نائب عام لم يصبح بعد نائبا عاما قرار إحضار لعضو برلمان استنفذ مدة عضويته القانونية ولكنه لم يفقد حصانته البرلمانية؟ أي معادلات هذه يعجز عنها خيال جورج أورويل؟

لقد جاء إضراب المعلمين في مفصل حساس من عمر النظام السياسي الفلسطيني الذي يبدو أنه قد بلغ مداه من حيث قدرته على الصمود بفعل تناقضاته الموروثة في بنيته ووظائفه. قلنا سابقا بأن هذا الإضراب سيفتح على أسئلة صعبة في الواقع الفلسطيني، وبدون قصد من قبل المعلمين. صحيح بأن هذا الإضراب لم يكن مسيسا أي أنه لم يقدم مطالبا سياسية. لكنه سياسي بامتياز لجهة أنه من حيث الجوهر يتعلق بمسألة ما يعرف بالتوزيع السلطوي الإلزامي للموارد. وهنا تكمن الأزمة العميقة للسلطة الفلسطينية، أي عجزها -وأحيانا عدم رغبتها- عن التعامل مع المطالب المتراكمة للقوى الاجتماعية والشرائح الوظيفية والقوى السياسية غير المركزية (أي تلك التي لا تشكل السند الاجتماعي-السياسي الضيق للسلطة). حسب رأينا تكمن هذه الأزمة في عجز السلطة المزمن -والذي لا حل له- عن التحول إلى سلطة فعلية: إلى دولة. وهي بذلك تحولت إلى حمل ثقيل على الفلسطينيين وعلى ذاتها.

إن المقوِم الأول للدولة، والذي يمكنها من القيام بتأدية وظائفها الأخرى -حسب عالم السياسة الألماني ماكس فيبر- هو قدرتها على الاحتكار الحصري للعنف المشروع على إقليمها وسكانها. بهذا المعنى فإن وجود أية كيانات أو جماعات أو أفراد يزاحمون الدولة في ممارسة هذا الحق، أو يمارسون العنف خارج إطار مؤسسات الدولة يقوض سيادتها بشكل جوهري، ويعمل على إعادة المجتمع إلى ما قبل حالة القانون الذي يصوغ الحالة العاقلة للضبط الاجتماعي: أي حالة غياب السلطة المركزية في العلاقات الاجتماعية-السياسية والتي يصفها المفكر البريطاني "توماس هوبز" بأنها حالة الفوضى (الأناركي).

وجدت السلطة الفلسطينية منقوصة الصلاحيات، ولا تتمتع بالمقوم الأساسي الذي يجعل من أي كيان قادر على القيام بوظائف الكيانات السيادية. إن الطرف الذي يمارس الاحتكار الحصري (بطبيعة الحال غير المشروع) للعنف هو الاحتلال الاسرائيلي على كل الإقليم وكل السكان الفلسطينيين في المناطق التي ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تقيم عليها دولتها العتيدة. هذه الحقيقة العارية تجرد السلطة من أي مضمون للسلطة الفعلية. في ظل هذه الحقيقة فإن انهيار قدرة السلطة على الصمود في ظل الضغط المتزايد لواقع الفشل السياسي لاستراتيجية التفاوض التي انتهجتها، مقترنة بالضغط الاقتصادي الهائل المترتب على خياراتها المرتبطة بالذات بالمسار التفاوضي وسياسات الجهات الداعمة لرؤية حل الدولتين، ولسوء إدارة الموارد، هذا الانهيار هو مسألة وقت. إن الإضرابات المتكررة لقطاعات رئيسية في السلطة الفلسطينية، وبخاصة قطاعات حساسة من الناحية الاجتماعية سيثير ضغوطا أكبر مما تستطيع الحكومة الفلسطينية تدبره بدون أضرار. كان من الممكن سابقا تدبر هذا الواقع من خلال التدفقات الخارجة المرتبطة بالعملية السياسية، وبفاعلية اقتصاد السوق الذين وصلا مداهما في ظل سياسات الاحتلال.

وبالانتقال إلى الصلاحيات المحدودة والوظيفية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في إطار التفاهمات مع سلطة الاحتلال سنجد أننا أمام واقع لا يقل خطورة من ناحية حالة الفوضى التي تحدث عنها توماس هوبز في داخل الكيان الفلسطيني ذاته: من جهة فقد فشلت السلطة في تبني سياسات اجتماعية تقوم على توزيع عادل للموارد المتوفرة للسطلة مقرونة بسياسات تأخذ بالاعتبار ما سينشأ من صدام حتمي مع سلطة الاحتلال، الأمر الذي ترتب عليه صدام حتمي مع القوى الاجتماعية الفلسطينية المتضررة من سياسات السلطة. إنك أينما التفتت في المجتمع الفلسطيني فإنك ستجد أزمات معيشية ومطلبية واجتماعية مركبة ومتراكمة عناوينها البارزة الإضرابات المتكررة لقاطاعات متنوعة وعديدة. وستجد كل أنواع المناشدات منشورة لتصل إلى الرئيس الفلسطيني أو رئيس الوزراء في كل وسائل الإعلام التي تتسابق في كثير من الأحيان في توصيل الحالات النافرة لهذا المسؤول أوذاك. وهي مؤشرات ذات دلالة عميقة على عجز أو غياب الحلول المؤسسية لما يواجهه المجتمع الفلسطيني من تحديات وأزمات.

تتعامل السلطة الفلسطينية مع هذه الأزمات بارتجال وبدون استراتيجية، وفي الحالة الأخيرة قفز الخيار الأمني في التعامل مع المعلمين بمنعهم من التجمع والتظاهر السلمي، مع كل ما رافق ذلك من تقييد لحرية الحركة والتنقل بما يخرق الحريات الأساسية المكفولة بالقانون الأساسي. يحق للمواطن أن يتساءل: كيف للسلطة أن تجمع هذه القدرة الأمنية على قمع الحريات الأساسية للمواطن وهو يمارس حقوقه الديمقراطية، ولا تستطيع التعامل مع مظاهر الخرق الخطير للقانون والتي تتمثل بتكرار الانتقاص من قدرة السلطة أن تمد هيبتها الأمنية (المنقوصة أصلا بفعل وجود سلطة الاحتلال) في المدن الرئيسة من خلال قيام مجموعات مسلحة بأخذ زمام المبادة في إغلاق الميادين والشوارع وإطلاق النار؟

إذا أضفنا إلى هذه التناقضات مظاهر أخرى من الحالة الفلسطينية يزداد تقديرنا لجدية الحالة. الإضرابات الأخيرة كشفت عن حالة غير مسبوقة في العمل الحكومي. في أوج إضراب العاملين في الجامعات الفلسطينية ردت الحكومة ووزارة التعليم الفلسطيني بأنها ملتزمة باتفاقها مع اتحاد العاملين في الجامعات، وبأن عليها أن تتوصل لحل مع وزارة المالية. يتركنا هذا الموقف أمام انطباع أن وزارة المالية تنتمي لحكومة غير الحكومة الفلسطينية، ويثير أسئلة صعبة حول المرجعيات المالية والقرارات المالية، والرقابة التشريعية الغائبة عن هذا الموضوع! في إضراب المعلمين كذلك غاب وزير المالية تماما عن الجدل وعن المبادرات، وكأن الموضوع لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. هل هناك وزراء اخرين يغردون خارج سرب الحكومة، ولماذا، ومن يحاسبهم؟ الأصل أنهم جميعا وفرادى يجب أن يخضعوا لمساءلة ومحاسبة المجلس التشريعي، وقبل ذلك أن يعملوا كحكومة واحدة.

وما دمنا نتحدث عن المجلس التشريعي الغائب الأكبر عن الأحداث، فإن هذا الغياب قد أسهم الإسهام الأكثر تأثيرا في الحالة الهوبزية التي الت إليها الحالة الفلسطينية. إن غياب الجسم التشريعي والتفتيت الحكومي، قد إدى إلى نتيجتين متلازمتين: الأولى هي تركيز القوة السياسية والقانونية بيد الرئيس، والثانية هي خلق مراكز قوى متعددة كلها مرتبطة بالرئيس، بحيث أصبح من المتعذر نشوء سلطة قرار مركزي مؤسسي. كشف إضراب المعلمين عن هذا الواقع، فقد شهدنا -ولا زلنا- حال الشد والجذب بين مختلف الكيانات داخل الحكومة وخارجها (في السلطة، وفي حركة فتح، وفي المجلس التشريعي، والمخفي أعظم!). وكل ذلك إنما يشير إلى ويعزز حالة الفوضى الخطيرة التي نعيشها بفعل غياب السلطة المركزية المؤسسية القوية، والتي لا يمكن تحصيلها في ظل الاحتلال.

أعتبر توماس هوبز بأن الإنسان يستطيع تجاوز حالة "الأناركي" بما يمتلكه من القدرة على التمييز وإعمال العقل لتجنب الصراع. أمامنا نحن الفلسطينيين تحديين: تحدي هوبز في أن نكون عقلانيين على مستوى إدارة شأننا الخاص والخروج من حالة الفوضى، وإلى جانبه تحدي "فيبر" لنخرج من حالة الفشل والسلطة فارغة المضمون، قبل أن نجد أنفسنا في حالة انهيار شامل بحيث لو كنا دولة فسيطلق علينا وصف "دولة الفاشلة" Failed State يسودها حالة حرب الكل ضد الكل التي تحدث عنها "توماس هوبز".