هزيمة الوهم

نشر بتاريخ: 26/02/2020 ( آخر تحديث: 26/02/2020 الساعة: 15:12 )
هزيمة الوهم
الكاتب: د.مصطفى البرغوثي
تحاول "صفقة القرن" وأصحابها، إقناع الشعب الفلسطيني بأنه هزم في نضاله ضد الاحتلال، والاستيطان الاستعماري، ونظام الفصل العنصري.
وبدون فرض الشعور بالهزيمة لا يمكن " لصفقة القرن" أو أي من بنودها أن تمر، بكل ما تتضمنه من إهانات لتاريخ الشعب الفلسطيني، ونضاله، ومستقبله.
وتكرس بعض وسائل الاتصال الاجتماعي، التي تراقبها أجهزة الإحتلال، وتغذيها بكل طاقتها، لبث الشعور باليأس والإحباط لدى الفلسطينيين.
ويفترض أصحاب "صفقة القرن" أن مشاعر الاستياء والغضب الفلسطينية التي تتدفق عبر هذه الوسائل، وهي مشاعر مبررة تماما، تعبر عن شعور بالهزيمة.
لكن محللو صفقة القرن يخطئون تماما إن فسروا الأمور بهذه الطريقة.
فهم يخلطون، وأحيانا عن قصد وخبث، بين هزيمة الشعب التي لم تحدث، ولن تحدث، وبين هزيمة الوهم الذي ساد في أوساط واسعة، بعد " عملية السلام"، وتوقيع اتفاق أوسلو، بإمكانية الوصول إلى حل وسط مع المنظومة الحاكمة في إسرائيل، في ظل اختلال ميزان القوى الذي نشأ تدريجيا بعد الاتفاق.
وهو وهم استند إلى الإعتقاد بأنه إذا قدم الفلسطينيون التنازل التاريخي الكبير، وقبلوا بدولة صغيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فبها القدس الشرقية، أي في أقل من نصف ما أقره مشروع التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية، سيحصلوا على السلام، وعلى دولة حقيقية.
سلوك كل حكومات إسرائيل، من باراك وحزب العمل، إلى شارون، ونتنياهو، كان موجها لنسف ذلك " الحل الوسط"، ولاستخدام المفاوضات من أجل كسب الوقت، ولم يوجد في إسرائيل ، ولا يوجد، منذ نشوئها و حتى اليوم، حزب حاكم واحد يقبل بحق الفلسطينيين في دولة حقيقية، بل اُستبدل ذلك المفهوم، كما هو مقترح في "صفقة القرن"، بحكم ذاتي هزيل، على أراض مقطعة الأوصال، وخاضع تماما للسيطرة والهيمنة الإسرائيلية.
لم يوجد حزب صهيوني حاكم واحد، ولا يوجد، يوافق على أن تكون القدس عاصمة لفلسطين، أو يوافق على تقسيمها، ولم يوجد ولا يوجد حزب حاكم واحد يوافق على إزالة المستعمرات الاستيطانية، أو على حق العودة ولو لعدد قليل من اللاجئين الفلسطينيين.
لم يهزم الشعب الفلسطيني، الذي لم يتخلى أبناؤه وبناته عن حقوقهم، أو عن حقهم في النضال من أجلها، ولكن الذي هزم هو الوهم بإمكانية تحقيق هذه الحقوق كليا أو جزئيا، بدون النضال لتغيير ميزان القوى المختل، وتعديله لصالح الشعب الفلسطيني.
ويخطىء من يظن أن المرارة الناجمة عن " زوال الوهم"، وعن الإحساس بفشل ثلاثين عاما من ما سمي " مسيرة السلام"، التي آمن كثيرون إنها طريق مختصر للوصول إلى بعض الحقوق، ستؤدي إلى إنهيار إرادة الشعب الفلسطيني.
ما نراه، وما نلمسه، خصوصا لدى الأجيال الشابة، هو عكس ذلك تماما، ما نراه هو العودة إلى الجذور، وتعاظم يتصاعد يوميا، في الإرادة على تحقيق الحرية، والكرامة، وبأسلوب مختلف عن ما جرب سابقا، وفشل.
لم يهزم الشعب الفلسطيني بل هُزم الوهم لديه، وسيهزم بصورة أكبر وهم الذين ظنوا أنهم يستطيعون ترويضة بالخداع السياسي والإقتصادي.