التداعيات الاقتصادية المترتبة على جائحة كورونا

نشر بتاريخ: 07/04/2020 ( آخر تحديث: 07/04/2020 الساعة: 14:10 )
التداعيات الاقتصادية المترتبة على جائحة كورونا
الكاتب: سامر سلامة

لقد مر تاريخ البشرية بأحداث طبيعية كارثية أو إكتشافات مذهلة أو إختراعات عظيمة غيرت ملامح العالم بشكل جذري. فكما يقول العلماء أن سقوط نيزك كبير في العصور الغابرة قد قضى على الديناصورات وغير ملامح الكرة الأرضية، وإن إكتشاف البنسلين والمضاضات الحيوية أو إكتشاف الجاذبية الأرضية قد قلب العلوم الطبية والفيزيائية رأسا على عقب، وإن إختراع العجلة وبالتالي الماكنات قد أدخل العالم في ثورة صناعية ليس لها حدود. ويبدو أن هذا الزائر الصغير وغير المرئي الذي دخل العالم دون إذن أو سابق إنذار والملقب بكورونا سيقلب العلم ويدخله في مرحلة جديد غير معروف معالمها حتى الآن. وإنني هنا سأحاول أن أتتبع الأثار الإقتصادية المترتبة على قدوم هذا الزائر الصغير للعالم والذي يبدو أن الإقتصاد سيكون المتأثر الأكبر وبدوره سيترك أثارا جانبية على جميع مناحي الحياة السياسية والإجتماعية والنفسية وحتى العلمية.  

لقد أصبح في حكم المؤكد أن العالم قد فقد السيطرة على جائحة كورونا الذي إنتقل من الصين إلى جميع أنحاء العالم. ومن الملفت للإنتباه أن الدول المصنفة الأكبر أو الأعظم في العالم هي التي فقدت السيطرة على هذا الوباء ودخلت في مرحلة الطباطؤ الإقتصادي ويمكن أن تصل على المدى المنظور إلى حالة من الركود والكساد الكبير الذي سيشل تماما الحركة الإقتصادية في تلك الدول. ففي الوقت الذي نجحت فيه الصين من السيطرة على إنتشار الوباء، وإن كان بعد ثلاثة أشهر من الإغلاق الشامل لكافة مرافق الدولة، نجد بعض الدول وخاصة الصناعية منها مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية قد فشلت حتى الآن بالسيطرة على الوباء لأن تلك الدول لم تتخذ الإجراءات الوقائية الازمة وأبقت على مرافقها الإقتصادية تعمل كالمعتاد خوفا من الإنهيار الإقتصادي. ولكن يبدو أن هذا الوباء لا يرحم الأمر الذي دفع بتلك الدول إلى الاتجاه نحو الاغلاق الجزئي. ومع ذلك فإن الوباء تسارع في الانتشار مما وضع تلك الدول أمام خيارين سيئين إما الاغلاق الشامل والذي يترتب عليه  الانهيار الاقتصادي الشامل أو الاغلاق الجزئي والذي سيترتب عليه إنهيار المنظومة الصحية والطبية في تلك الدول وبالتالي تسجيل خسائر بشرية كبيرة.فهذه الجائحة ستترك آثار مدمرة على إقتصاد تلك الدول ومنها إلى باقي أنحاء العالم. فالانهيار الاقتصادي قادم لا محالة فالمسألة مسألة وقت ليس إلا.

إن التوقعات بإنهيار الإقتصاد العالمي وخاصة إقتصاد الدول الكبرى لم يأتي من فراغ فبنية الإقتصاد العالمي تعتمد بشكل كبير وشبه كامل على التجارة الدولية والتعاملات التجارية بين الدول أضف إلى ذلك إعتماد الكثير من الدول الكبرى على الشركات العابرة للقارات التي تنتج في مكان وتسوق منتجاتها من سلع أو خدمات في جميع أنحاء العالم. وبالتالي فإن تلك الشركات والتعاملات التجارية أصبحت تعتمد بشكل مباشر على نقل العمال والمواد الخام من منطقة إلى أخرى. فالتعاملات الدولية أصبحت تعتمد بشكل كامل على وسائل المواصلات المختلفة وخاصة الطيران. ومع تطور وسائل المواصلات فإن قطاع السياحة الدولية أيضا قد نما بشكل كبير جدا خلال الخمسين سنه الماضية ليشكل المصدر الأول للدخل للعديد من الدول. ولا ننسى أيضا أسواق المال التي أصبت أسواقا دولية يستثمر بها العديد من المستثمرين من جميع أنحاء العالم. وبالتأكيد هناك العديد من الشركات الناشئة التي بدأت في الإستثمار في المشاريع والأنشطة الإقتصادية العابرة للحدود. فنتيجة لإنتشار الوباء في جميع أنحاء العالم، قد دفع بالعديد من الدول لإغلاق حدودها الجوية والبرية والبحرية فهذه البنية الإقتصادية العالمية التي تعتمد على الشركات والأنشطة التجارية العابرة للقارات قد وجدت نفسها بين ليلة وضحاها مشلولة تمامة نتيجة لتوقف حركة المواصلات الدولية وخاصة إغلاق المطارات حول العالم. الأمر الذي دفع بتلك الشركات للتوقف إما الجزئي أو التام عن العمل وبالتالي الدخول في ركود شامل قد يقود إلى كساد ومنه إلى الإنهيار الشامل في حال طال عمر الوباء. ولم يتوقف الموضوع عند هذا الحد بل أدت سياسة الإغلاق الجزئي أو الشامل في العديد من الدول بهدف كبح جماح الوباء من الإنتشار في ظل تسجيل أعداد غير مسبوقة من الوفايات وخاصة في القارة العجوزقد أدى وسؤدي إلى حالة من الركود طويل الأمد في العديد من الدول الأمر الذي سيترتب عليه تداعيات إقتصادية يمكن أن تطول لعدد من السنوات القادمة. فقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير أن النمو الإقتصادي العالمي قد تراجع خلال شهر آذار الماضي بشكل ملحوظ ويمكن أن يستمر هذا التراجع في حال إستمر الوباء لفترات طويلة.

وهنا في فلسطين فإن الوباء قد فرض أجندته على الحالة الإقتصادية عندنا ليضيف إلى المشاكل الإقتصادية المترتبة على إستمرار الإحتلال مشكلة أخرى الأمر الذي سيكون له تداعياته على الإقتصاد الفلسطيني وخاصة على المدى القصير. (هذا الموضوع سأتوسع به في المقال القادم).

وفي الختام فإنني أعتقد أن الإقتصاد العالمي سيدخل عاجلا أم آجلا مرحلة من الكساد لم يسبق له مثيل مما سيترك آثارا مدمرة على كافة نواحي الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وسينقل العالم من مرحلة ما قبل كورونا إلى مرحلة ما بعدها. هذه المرحلة الجديدة غير معروف خصائصها وشكلها ومعالمها حتى الآن ولكن من المتوقع أن يحدث تغيير جذري على بنية الإقتصاد العالمي وسيوضع الدولار (كعملة دولية) على المحك وستظهر دول عملاقة إقتصاديا مثل الصين تسيطر على الإقتصاد العالمي وستنهار أنظمة سياسية وتندلع حروب هنا وهناك وبالتالي ستتغير المنظومة الدولية برمتها ويمكن أن نشهد ولادة عالم جديد.