الخميس: 29/10/2020

أنين المختبرات وقعقعة المطابخ... صمت العلماء وصراخ السياسيين

نشر بتاريخ: 15/04/2020 ( آخر تحديث: 15/04/2020 الساعة: 14:08 )

الخوف يدفع الإنسان للتفكير بخيارات غير مسبوقة. والقلق أخطر من الخوف لأنه يعني الخوف من شيء مجهول. والبشرية تعيش الان نمطين متلازمين هما (الخوف من فيروس كورونا والقلق من أزمات ما بعد كورونا) مع بعضهما البعض .
والسلوك البشري محتوم ( حسب هرم مازلو ) بالبحث عن الاحتياجات الفسيولوجية أولا مثل التنفس والطعام والإخراج والنوم والجنس والتوازن ومثلها . ثم الحاجة الثانية السلامة الجسدية والأمن الوظيفي وأمن الموارد والأمن الأسري والصحي وامن الممتلكات . وثالث الحاجات الصداقة والعلاقات الأسرية والألفة بين الأجناس . ورابعا تقدير الذات والثقة والانجازات واحترام الآخرين والاحترام من الآخرين . وبعدها الابتكار وحل المشاكل وتقبل الحقائق .
علماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد ينافسون علماء الجراثيم في صدارة المشهد الراهن ، لان البشرية تراهن عليهم لحل معضلة القلق ما بعد أزمة كورونا .
وينقسم علماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد الى قسمين : قسم متشائم جدا مثل الفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي الذي يرى العالم ينتهي ويتجه نحو حافة الهاوية. ومثله كثيرون في العالم والعالم العربي . تشومسكي يقول ( ليس الأمر أنني أشعر بأن ترامب فاشي، فهو ليس كذلك، فالفاشية لديها الكثير من الإيديولوجيا، لكني أرى فيه مجرد "معتل اجتماعي" مهرج لا يهتم سوى بنفسه، لكن المزاج والمخاوف التي تثيرها كلماته متشابهة مع أيام طفولتي أيام كنت استمع لخطابات هتلر . وفكرة أن مصير البلاد والعالم في أيدي مهرج ومعتل اجتماعي مثل دونالد ترمب هو شيء مروع) .
وهناك قسم يرى الامور بطريقة مختلفة ويفرط في التفاؤل وان الأمور مسيطرة عليها وهؤلاء هم الليبراليون (المثقفون الذين يدافعون عن الرأسمالية وعن الحكومات وصوابية قراراتها ) .
أنا لا أرى أننا مجبرون على اختيار منهاج من بين هذين المنهاجين في التفكير. فهناك منهاج ثالث وهو أن الطبيعة تقوم بإصلاح نفسها. كما أن المجتمعات تقوم بالانتخاب الطبيعي وتصلح نفسها ذاتيا . وارى بان الإنسان يعطي نفسه دورا مبالغا فيه حين يعتقد انه يقرر ويتحكم بالطبيعة.
الإنسان من وجهة نظري أضعف بكثير من أن يكلف نفسه بمهمات شرطي الأرض وتسيير الحياة . هو أضعف مخلوقات الله من ناحية جسدية ، وهو متقلب المزاج ، عاطفي ، وانفعالي نزق ، و منتقم، وفيه من "غباء الأذكياء" ما يكفي ليعيد التفكير في إمكانياته المتواضعة .
ربما صدق تشومسكي في جزئية هوس ترامب وانه قادر على إدارة البشرية وهذا ما يضعه في خانة المعتلين اجتماعيا .
الحياة ستستمر ولكن بأشكال نحن لا نتحكم فيها، تماما كما استمرت من قبل . والمجتمعات ستعيد تشكيل نفسها بما يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية والمناخية . تماما مثلما تكيّف سكان الصحراء للعيش في درجة حرارة لا تقل عن 50 مئوي مع شح الموارد . وتماما كما تكيّف سكان الاسكيمو للعيش في ظل درجة حرارة لا تزيد عن سالب 50 مئوي .
الحكومات وأصحاب الشركات والبنوك وأنظمة الاستبداد والأثرياء هم الأكثر قلقا من تغيير نمط السلوك البشري . لأنهم لا يعرفون إذا كانوا سيستعيدون سيطرتهم السابقة على العالم ومقدراته مرة أخرى وبالشكل الذي عهدنا .
أما غالبية سكان الأرض فإنهم يلجئون تلقائيا إلى احتياجاتهم الأساسية على طريقة "هرم مازلو " . ويصبح الحصول على الطعام أهم بكثير من سمعة الحكومات وتمثيل الأنماط الارستقراطية التافهة التي أدت إلى امتلاك 1% من البشر ل 47% من ثروات الأرض .

ربما تلاحظون الان أن الحكومات تعمل على طمأنة السكان نظريا ، وتزيد من إجراءات الحجر عمليا ..الحكومات خائفة أكثر من الناس لأنها اكتشفت عجزها عن معرفة الفيروس وخارطة انتشاره. وتخشى من مرحلة ما بعد كورونا أكثر من كورونا .
غاية الحكومات أن يتأقلم الناس مع المرض وتعود الحياة كما كانت بالضبط لتعود سيطرتها كما كانت رغم أنها سيطرة ظالمة وبائسة. المنظمات والحكومات التي تدّعي حرصها على إيصال علاج كورونا إلى دول إفريقيا تعلم تماما أن 65% من سكان إفريقيا لا يملكون الماء والصابون لغسل وجوهم وأيديهم ولكن هذه الحكومات الشريرة تعلن أن لديها خطة لمكافحة كورونا في دول غرب وجنوب القارة السوداء !!!

وهذا مضمون ما يقوله ترامب وكل حاكم مثله .. باختصار كل سكان الأرض لجأوا إلى الاختباء .. إن أخطر ما في السلوك البشري (الفردي والجماعي )هو التأقلم مع الماضي لأنه شكل تافه من أشكال الهزيمة.. والحقيقة نحن لا نختبئ بل نحن ننتظر أن ينتصر العلم على الخوف .. وان يكون فيروس كورونا قد تسبب في صحوة ضمير للحكومات الحقيرة التي تحكم ثروات العالم وتدّعي أنها المسؤولة عن أخلاقه .