Advertisements

هل حقا الفلسطينيون استثناء؟

نشر بتاريخ: 31/05/2020 ( آخر تحديث: 31/05/2020 الساعة: 18:02 )

الكاتب: حازم القواسمي

بقدر ما نريد أن نعتقد أننا استثناء، إلا أننا قد لا نكون كذلك. صحيح أن فلسطين أرض تاريخية تقاتلت عليها الأمم، إلا أن هناك كثير من المناطق التاريخية الأخرى التي ايضاً تقاتلت عليها الأمم لعدة قرون، مثل سوريا والعراق ومصر وإسطنبول وباريس وغيرها من العواصم الأوروبية والآسيوية. وصحيح أن حوالي نصف الشعب الفلسطيني خارج فلسطين بسبب النكبة والنكسة والتهجير القسري نتيجة الاحتلال، إلا أن الاحتلال الأمريكي للعراق وثورات الربيع العربي الحديثة في سوريا واليمن وغيرها بالإضافة للصراعات والحروب والاضطهاد في القارة الإفريقية ساهمت في وصول عدد اللاجئين والنازحين في العالم إلى 70 مليون شخص حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وصحيح أن القدس مدينة مقدسة فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، إلا أن هناك مدن مقدسة أيضاً مثل مكة حيث توجد الكعبة وهناك الفاتيكان في إيطاليا حيث تقيم أعلى سلطة كاثوليكية في العالم، وكثير من المدن الأخرى التي يعتبرها أهلها مقدسة من وجهة نظرهم. فعلى سبيل المثال، في الهند المليئة بالديانات المختلفة هناك 43 مكان مقدس تشمل عدد كبير من المعابد والمساجد والكنائس والأديرة. وصحيح أن فلسطين موقعها الجغرافي وطقسها مميز جداً، إلا أن هذه الخاصية تنطبق على جميع دول الجوار ودول أخرى في قارات أخرى. وصحيح أن الشعب الفلسطيني يعتبر من الشعوب المثقفة ومن الأعلى تعليما بين الشعوب العربية، إلا هناك شعوب كثيرة أخرى في العالم متعلمة أكثر ومثقفة أكثر وتنتج بغزارة من العلوم والآداب أكثر بكثير من الشعوب العربية مجتمعة.

لعله يعتقد الكثير أن ما يميزنا هو الاحتلال الصهيوني لفلسطين منذ عام 1948 والمآسي التي مر بها شعبنا على مدار سبعين عاما من الاستعمار والمؤامرات التي شردت جزءا كبيراً من هذا الشعب وسجنت وعذبت وقتلت عشرات الآلاف من شبابه. ولا شكّ أن الاستعمار الصهيوني لفلسطين ليس كأي استعمار آخر للدول العربية أو حتى لأي دولة من دول العالم، فاليهود الصهاينة من أذكى وأخبث البشر منذ قدم التاريخ، ولا شكّ أن طريقة احتلالهم لفلسطين كانت مؤامرة دولية وتعتبر قصة استثنائية في كل ظروفها، إلا أنه في النهاية إذا ما قارناها بالاحتلالات الأخرى للدول العربية ودول أخرى في العالم، فهي لا تخرج عن كونها احتلالا بغيضا مجرما سيزول ما طال به الزمن لأن أي احتلال مصيره الزوال. كما زال الاحتلال الفرنسي عن الجزائر، بلد المليون شهيد بعد 132 عاما، وكما زال الاحتلال العسكري البريطاني وغيره عن جميع الدول العربية.

إذن فالشعب الفلسطيني ليس استثناء بسبب الاحتلال الصهيوني أو عدد اللاجئين الفلسطينيين، أو بسبب عدد الأسرى والشهداء والجرحى، وبالتأكيد ليس استثناءً بسبب عدد شهادات الماجستير والدكتوراه التي يحملها أبناؤه في الوطن والمهجر، أو بسبب طقس فلسطين وجمالها. نحن لسنا استثناء في أي شيء يخص تاريخنا وحاضرنا. نحن شعب تم احتلال أرضه ويناضل من اجل تحريرها، مثل أي شعب آخر في التاريخ تم احتلال أرضه وناضل من أجل تحريرها. فكل شعب له تاريخه وله مآسيه، وكل بلد له موقعه الجغرافي المميز وطقسه الذي يحبه وتعود عليه. وكل شعب يفتخر بتاريخه وحضارته وثقافته وتراثه وبطولاته وانتصاراته ونضالاته.

وتستحضرني تجربتي في العديد من المؤتمرات الدولية التي شاركت بها، حين كنت قد جهزت نفسي في كلمتي المكتوبة لأتحدث عن الشعب الفلسطيني كم هو استثناء، ولكن حظي يسعفني أن يأتي دوري في الحديث بعد المتحدث اللبناني أو الإيرلندي أو القبرصي أو غيرهم من الشعوب التي كل واحد منها يعتبر نفسه استثناء. فعلى سبيل المثال، يعتبر لبنان بلدا مميزا بشعبه المبدع والمثقف وبجباله وطقسه الجميل، حيث كان لقب بيروت في منتصف القرن الماضي "باريس الشرق الأوسط"، ويتميز كذلك لبنان بأنّ قسم كبير من أبنائه مهجر في قارتي أوروبا وأمريكا، ولا شك أنّ لبنان يعد استثناء على مستوى العالم بسبب تقسيماته الطائفية المسلمة والمسيحية وأثرها على الحياة السياسية. وكذلك عندما استمع عن التجربة الإيرلندية وغيرها. حينها كنت في المؤتمر أقوم بتغيير سياق حديثي الذي مضمونه أننا استثناء، لأقول أننا لسنا استثناء وأنّ الشعب الفلسطيني مثل باقي شعوب العالم يريد حقوقه وحريته واستقلاله. وربما الاستثناء الوحيد الذي يميز الوضع الفلسطيني في العقد الأخير، والذي كنت أخجل أن تحدث عنه في المؤتمرات الدولية، هو انقسام الشعب الفلسطيني وتنازع قياداته الوطنية والاسلامية على السلطة والمناصب بينما ما زال يرزح تحت الاحتلال.

وبرغم كل ما قيل عن أننا لسنا استثناء حقيقياً عن باقي دول وشعوب العالم، إلا أن الفرصة ما زالت مواتية اليوم للشعب الفلسطيني أن يكون استثناء، وتكون قضيته قضية استثنائية على مستوى العالم، في التاريخ والحاضر والمستقبل، ويقر له بذلك القاصي والداني، والعدو قبل الصديق. الشعب الفلسطيني اليوم على مفترق طرق، فإما أن يكرر تجارب قديمة فشلت أو نجحت جزئياً ولم يكتمل نجاحها، أو يبتدع نموذجا نضاليا جديداً يواكب العصر ومتطلباته القانونية والإنسانية ويؤدي إلى حلّ سياسي ينهي به الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ويستعيد به حقوقه كاملة غير منقوصة. إن الطريقة التقليدية في التفكير تنتج مشاريع تقليدية لا يكتب لها النجاح، وعندما يكون الخصم في مستوى دهاء الصهاينة وخططهم البراغماتية، فلا نتوقع أن أنه يمكن التغلّب عليهم بالنوايا الحسنة أو فقط بالتغنّي بعدالة القضية. وبرغم كل التعقيدات التي المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والتي تراكمت على مدار عشرات السنين، سواء تعقيدات إسرائيلية أو تعقيدات نتجت عن شرذمة الشعب الفلسطيني وتقسيمه إلى تجمعات في مناطق تخضع لأنظمة مختلفة، إلا أنه لا يوجد مشكلة لا يوجد لها حل. ولا داعي لأن ننتظر مائة سنة أخرى بما قد تحمله من عذابات وتضحيات جسام، حتى يتم إنهاء الاحتلال. نعم نحتاج للتفكير خارج الصندوق، وبعيداً عن الشعارات والخطابات الرنانة التي مللنا سماعها. نحتاج للعمل مع الجهات الصح حيثما كانوا، بالرغم من الانبطاح العربي والانحياز الدولي لليهود الصهاينة، وبالرغم من السوداوية التي تلف المشهد العام للقضية الفلسطينية اليوم. هكذا نستطيع أن نكون استثناء محمودا، نحمله للأجيال القادمة لتفتخر به، استثناء في التفكير واستثناء في التخطيط واستثناء في العمل، واستثناء يقبل به العالم ويدعمه ويسجله بإرادته في سجلات التاريخ والمستقبل. وهذا لن يحدث بدون مراجعة سريعة وصادقة من قبل الكل الفلسطيني، وإرادة فاعلة من أجل التغيير والنظر للمستقبل.