الأربعاء: 21/10/2020

نظرة فلسفية للمُعتقل من واقع الاعتقال

نشر بتاريخ: 29/09/2020 ( آخر تحديث: 29/09/2020 الساعة: 16:20 )

الكاتب: السفير منجد صالح

الشعب الفلسطيني هو من أكثر الشعوب على أديم هذه البسيطة، الذي قضى أبناؤه دهرا، ردحا من الزمن والزمان، في المُعتقلات. وأكاد أن أجزم بأنه من الصعب أن تجد عائلة ممتدة في فلسطين أو حتى عائلة "ضيّقة" لم يجر إعتقال أحد أفرادها أو ما يزيد على مدى سنوات الإحتلال.

ومع أنّ المُعتقلات، والإعتقال بحد ذاته، بالضرورة أن تكون بشعة ومقرفة ومُقزّزة، وإنتهاك صارخ للنفس البشرية، وعدوان على كرامة الإنسان، وخاصة وأننا، في هذا الصدد، نتحدّث عن الإعتقال "السياسي" على أساس وطني وقومي، أي إعتقال المناضلين والمجاهدين ورافضي ومُناهضي الإحتلال، الذين يقفون في وجهه ويُناضلون بكافة الوسائل والسبل المُتاحة لدحره.

إذن السجن عقاب قاس، يصبح مضاعفا في قسوته وجنونه عندما يتعلّق الأمر بأناس، بشباب، بصبايا، برجال ونساء، وحتى بأطفال، كان من المُفترض والمفروض أن يُكافأوا على ما قاموا به وما صنعت أيديهم، وليس أن يُزجّ بهم في أقبية التعذيب والتحقيق وغياهب المُعتقلات والسجون.

إتفقنا من حيث المبدأ والنتيجة، بإن السجن قاس وغير إنساني وإنتهاك للنفس البشرية، وخاصة في هذه الحالة التي نحن نخوض في غمارها.

لكن، من جهة أخرى، فإن بعض المُعتقلين الفلسطينيين أو بالأحرى العديد منهم لهم ولديهم ويُكنّون لتجربتهم في السجون أثناء تواجدهم فيها و"ممارستهم" لطقوسهم" العملية والوجدانية"، رأي مختلف تماما، وربما متناقض ومتباعد ب 180 درجة عن كون المعتقلات مصدر إهانة وبؤس وشقاء.

وأنا لا اقصد فيما أقول فقط الحالة النضالية التي يتواجد فيها المعتقل وقوة شكيمته التي يستمدّها من عدالة قضيته وقناعته الراسخة بوجوب التضحية بالغالي والنفيس في سبيلها، وإنّما ربّما من ناحية فلسفية أوسع وأرحب، ربما يُصاحبها نوع من "البيوريتانية" – النقاء والصفاء – أو ربما نوع من بعض التجلّيات الصوفية من حيث كنهها وماهيّتها ومدلولاتها وتجلّياتها.

قال لي أحد المُناضلين المثقّفين الذي أمضى عدة سنوات في المعتقل: "كنت في المعتقل ولم أكن في المعتقل!!!".

"تعاملت مع جدران المُعتقل كما أتعامل مع الهواء وحالات الطقس. حتى في الخارج فإن الانسان محاط بالجدران وبالمُعيقات. لم أشعر بطعم الحريّة إلا وأنا في المُعتقل!!".

إن السبب الجوهري، إلى جانب أسباب أخرى لا تقل اهميّة، لتصريح هذا المناضل وتعبيره عن نفسه ومكنونات ذاته بهذه الطريقة، هو أنّه يرفض الظلم المُتمثّل في ممارسات الإحتلال وعدوانه وبطشه وإحتلاله. فهو بالنهاية يُدافع عن قضية كبرى، قضية ارض وشعب وتاريخ وكرامة. ويدفع ثمن مواقفه في الدفاع عن الحرية.

فلدى المناضل امكانيات وقدرات عقلية ومعرفية تُحصّنه وتوصله إلى إيجاد نور مُشعّ قبل أن "يتوه" في غياهب السجن والمُعتقل.

وسبب آخر هو إنتقاله من خط "مناوشات" سرّي تكتنفه المواربة إلى خط المواجهة مباشرة مع السجّان والإحتلال. مواجهة بين الحق والميل إلى الحياة وبين الميل إلى الزيف والباطل المُتمثّل بالإحتلال وجبروته.

هكذا تطوّرت في المناضل قوّة إرادة وصمود ومواجهة مُضاعفة، ويزيد منها ومعها إحساسة الداخلي والوجداني بالحرية، كنوع من أدوات النضال والمُقاومة.

وبالتالي تصبح الغرفة، غرفة المُعتقل الضيّقة، أو الزنزانة، أشبه ما تكون بالكرة الارضية في إتساعها ورحابتها، بسمائها وبحارها ومحيطاتها وقارّاتها وتحالفاتها وتنظيماتها.

الله سبحانه وتعالى، العلي القدير، خالق هذا الكون، يتحكّم بكل شيء فيه، يتحكّم بدوران الشمس ودوران الأرض حولها ودوران القمر حول الأرض وحركة النجوم، وتداول الليل والنهار، النور والظلام.

المُعتقل أو الأسير يتحكّم في محبسه، مُعتقله، غرفته، زنزانته، عبر خلق عالم خاص وذاتي له. المطالعة والقراءة والتنوير والتثقيف الذاتي هي بمثابة شروق الشمس وإطالة زمن النهار والنور بالنسبة للأسير.

تجارب الآخرين والزملاء وإستخلاص العبر وتراكم المعرفة والتجارب والنقاشات التي تدور بين المعتقلين في السجون وربما الكتابة والتاليف والإرتقاء لدرجات أعلى من العلم والدراسة، كُلّها مُكوّنات لنهار للمُعتقل، نهار يُشعّ على مدى رحابة الكرة الأرضية.

أمّا الخضوع والإستكانة لظروف المعتقل ولتعليمات السجّان الجافة والمجرمة فهو الظلام، الذي يجب بالضرورة تقصيره وإلغاءه وتلاشيه، وسريعا، فيصبح الأسير حرّا، لان الحرية هي خلق مساحات وتوسيع دائرة الخيارات أمامه. فكلّما زادت الخيارات والإختيارات أمام المُعتقل زادت حريّته وإحساسه بضوء النهار.

هنا تتحوّل الفكرة إلى كل ما يجول في الذهن، الذهن مُتّقد. يُصبح الذهن خارج نطاق الجدران والأسوار. وهكذا يُمارس المُعتقل حريّته كيفما يُريد، لأن الذهن رشيق، يتمتّع باللياقة، بقدرته على التفسير ونقد الأشياء وقبولها أو رفضها، وعلى الأرجح رفضها.

دون شك ظروف السجن مؤلمة، لكن الأسير يصل إلى درجة ومرحلة النقاء، ربما بنفس صوفي، في الأيدلوجيا والتفكير. الفكر حرّ طليق، التفكير حرّ طليق، لكن الأيدي والارجل مكبّلة بالأصفاد.

كلّما ضاق المكان كانت الفكرة أرحب. يقول الفيلسوف النفّري: "كلما إتّسعت الرؤيا، ضاقت العبارة".

غرفة "حقيرة" فيها سرير "بائس" متواضع، فإمّا أن تُضيء عتمتها ويصدح النور والنهار، أو أن تُطفيء الضوء.

* كاتب ودبلوماسي فلسطيني