السبت: 16/01/2021

ظاهرة الاسلاموفوبيا في الدول الغربية وتأثير دساتير العالم عليه

نشر بتاريخ: 02/12/2020 ( آخر تحديث: 02/12/2020 الساعة: 17:29 )

الكاتب: دانييلا القرعان

بداية لا بدَّ من الإعتراف بتصاعد ظاهرة "الإسلاموفوبيا"خاصة في الدول الغربية ولم تعد قاصرة على التمييز الوظيفي والعرقي بل تجلت أيضًا في العنف والاعتداء الجسدي والإرهاب، وهي نتاج العولمة وأزمة الهوية وصراع الحضارات واختلاف الثقافات وظهور الحركات والاحزاب السياسية المتطرفة والعنصرية وانتشار الاسلام السياسي وخاصة في البلدان النامية والفقيرة.
ولأن ظاهرة "الإسلاموفوبيا ، تعني الخوف من الاسلام فقد بلغ العداء للإسلام أوجه بعد أحداث 11 سبتمبر واستمرت الحركات العنصرية ومن خلفها الصهيونية العالمية بتغذية العداء ضد الاسلام والمسلمين وآخر ما نتج عنه مذبحة المسجدين في نيوزيلندا العام الماضي وهو الهجوم الإرهابي الذي خلف أكثر من 51 قتيلًا .
وعلينا ان نعترف أن التهميش والفقراء والاستعمار والحروب والصراعات السياسية وسلب حقوق الدول الضعيفة والانظمة الشمولية وفقدان الإحساس بالعدالة إضافة إلى الاختلالات في تطبيق المعايير الاخلاقية المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة وحق الشعوب بالاستقلال والحياة الكريمة واستخدامها بذات الوقت لتنفيذ أجندات سياسية وتحقيق أهداف عسكرية ساهم في ظهور الحركات الرديكالية واليمينية وأدى إلى إستغلال الدين من قبل تنظيمات أساءت للدين الاسلامي وركبت موجته لتنفيذ اجنداتها المرتبطة بدوائر المخابرات الأجنبية بقوة،وأدى ذلك بعد عمليات القتل والتدمير التي ارتكبتها القوى الظلامية كداعش والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية إلى ازدياد العنصرية ضد الإسلام والمسلمين وظهرت القوى اليمينية المتطرفة في العديد من دول أوروبا أكثر قوة وسيطر بعضها على الحكم في هذه الدول، ترافق ذلك من تشويه للدين الاسلامي في وسائل إعلام أوروبية مدعومة بصورة غير علنية من الحركات الصهيونية ، وللأسف كانت المجتمعات العربية والإسلامية هي الأكثر معاناة والأكثر تعرضًا للعنف والقتل والتخريب من قبل هذه الجماعات الإرهابية أيًا كان جنسها ودينها وبلدها .
لقد لعبت وسائل الإعلام وبشكل واضح دور باز في ترسيخ معاداة الإسلام والمسلمين في الغرب فهو يقوم بدور كبير في زيادة مساحة الفوبيا من الإسلام بتضخيم الأحداث وتكبير الأمور واستقاء المعلومات من مصادر غير حيادية، وينبغي التنبه إلى أن مضمون التغطيات الإخبارية ولغة التقارير الإعلامية تميل غالبًا إلى التركيز على الأمور التي تطبع مفاهيم سلبية عن الإسلام مثل الصراع في الشرق الأوسط والقضايا المرتبطة بالإرهاب والتطرف، ويسهم كل هذا في تكوين الآراء عن الإسلام والمسلمين في العالم الغربي، وهو ما يقود انتشار ظاهرة “الإسلاموفوبيا” ، رغم أن دساتير مختلف دول العالم تؤكد على الحريات العامة وحرية المعتقد وحق الإختلاف وتعزيز قيم المساواة والعدالة والتنوع الديني والاثني والطائفي وتحرص على التواصل والتفاهم مع المجتمعات الدينية المختلفة.
كما أن المصابون بالإسلاموفوبيا يرون أن العداء للإسلام والمسلمين والتحيز ضدهم أمر طبيعي ورد فعل تلقائية على طبيعة الأعمال الإرهابية التي يرتكبها مسلمون بإسم الدين الاسلامي ونصرته، لقد فاقت نتائج أفعال هؤلاء السلبية بالنسبة لقضية "السلام والأمن" الدوليين معظم التوقعات إنها تنظيمات "إسلاموية" الهوى.. تفسر الدين على هواها، وتشوهه بارتكاب أبشع الأفعال باسمه.
ونذكر أن من أبرز النتائج السلبية لأعمال هذه الجماعات، هي الإسهام في ضرب محاولات النهوض العربية، تقوية الموقف الإسرائيلي تجاه العرب، غزو واحتلال وتدمير العراق، والعديد من الدول العربية والإمعان في ظلم الفلسطينيين، وتواصل الدعم الغربي للصهيونية، التخطيط لتمزيق العالم العربي أكثر مما هو عليه الآن.
من أهم أسباب تنامي ظاهرة "الإسلاموفوبيا" هو الإسلامويون، وأفعال تنظيماتهم، إضافة إلى تصرفات بعض العرب والمسلمين المتشددين وتحامل وحقد المتشددين في الغرب على العرب والمسلمين، من جهة أخرى أي أن سببها يعود في الواقع إلى طرفي العلاقة وإن كان هناك تفاوت في مدى القوة، ومدى الحقد والكيد، والكيد المضاد.
وهنالك أسباب عديدة لهذه الظاهرة منها الجهـل بحقيقة الاسلام فهناك جهلًا صارخًا بحقيقة الإسلام وبخاصة في العالم الغربي الذي يستقي معلوماته عن الإسلام من مصادر قد تفتقر في كثير من الحالات إلى الموضوعية والنزاهة والتجرد،إضافة إلى الخلط بين الدين الإسلامي وواقع المسلمين فليس يخفى على أحد أن الأمة الإسلامية تعاني منذ قرون عديدة واقعًا مأزومًا على مختلف الأصعدة والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتبني صورة نمطية سلبية للمسلمين وهذا يظهر واضحًا تمامًا في حالة الإسلام والمسلمين، إذ يتم تحميل الإسلام مسؤولية السلوك غير السوي الذي يصدر عن بعض المسلمين.
وهناك سبب آخر يستغله رجال السياسة والأحزاب السياسية المتطرفة واليمنية التي تبحث عن الشعبوية تحت أي مبرر وهذا السبب يتمثل في سوء تطبيق البعض للإسلام من الجماعات التي تتبنى تيار التشدد والعنف والقتل والذبح .
وقد جاءت أحداث 11 سبتمر والتفجيرات الدموية التي نفذها المتطرفون من مدعي الاسلام كداعش وتنظيم القاعدة ضد أهداف مدنية في عدد من البلدان الغربية كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا لتصب في تيار تصعيد المخاوف من الإسلام ولتعطي للمتربصين بهذا الدين المزيد من المبررات لمحاربته وتضييق الخناق عليه؛ بحجة مسؤوليته المباشرة عن توليد الإرهاب والإرهابيين .
وهناك أمر آخر لازدياد هذه الظاهرة ، فعندما يعجز بعض السياسيين عن إيجاد حلول لبعض مشاكل بلادهم كمشكلة البطالة أو بعض الاخفاقات السياسية والإقتصادية أو هواجس المجتمع من المستقبل فإنهم يبحثون عن كبش فداء؛لإلهاء الجماهير والتغطية على إخفاقهم فيوجهون سهامهم باتجاه المسلمين بتحميلهم مسؤولية المشاكل التي تتخبط فيها بلادهم وللأسف هذا النوع من الخطاب يجد صدى لدى بعض الجماهير المخدوعة، ما ينجم عنه انشغال الإعلام كله بالقضية المفتعلة وزيادة جرعة الإسلاموفوبيا وربما أدى ذلك لأعمال عنصرية ضد المسلمين.
ولمواجهة ظاهرة الخوف من الاسلام لا بدَّ من مضاعفة الجهود لتعريف الناس بحقيقة الدين الاسلامي الذي يدعو إلى الوسطية والاعتدال وينبذ العنف والتطرف ويدعو إلى قبول الآخر والعمل على إبراز أبعاده المشرقة للعالم.
كما أنه لا بدَّ من تعزيز ثقافة الحوار بين إتباع الأديان السماوية وتعزيز حوار الحضارات والبناء الإيجابي على القواسم المشتركة بين الأديان؛ لمواجهة العنصرية والتطرف والغلو .
ولنا في رسالة عمان التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم خير مثال على التعريف بحقيقة الإسلام السمح وليس إسلام الدواعش والمتطرفين، فرسالة عمان قدمت الإسلام وحقيقته السمحة للعالم الغربي؛بهدف مواجهة الخوف من الإسلام أكدت على قبول الآخر واحترام الأديان والرسول وعدم زج الدين في عالم السياسة .
وللخروج من هذا المأزق الذى وجدت الأمة نفسها فيه لا بدًّ أيضًا من قيام حركة تصحيح دينية كبرى يقودها علماء وزعماء المسلمين العقلاء والمخلصون؛تنقي الإسلام الصحيح مما ألصق به ومما علق به من شوائب لا حصر لها ومنها الإسلاموية ذات الفكر التكفيري والإقصائي الضال وتعيد للإسلام صفاءه ورونقه،ثم تعمل على نهضة الأمة من سباتها وتخلفها، بالأخذ بكل سبل القوة والمنعة والتقدم، وتحاول حل كل مشاكلها مع العالم الآخر عبر التفاهم والحوار والتفاوض السلمي، المؤكد على التعاون، والعمل المشترك، لتحقيق المصالح المشروعة المشتركة.
علينا استثمار وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال الحديثة في معالجة ظاهرة الخوف من الإسلام، وتصحيح المفاهيم الخاطئة من خلال تعزيز وتفعيل سبل الحوار الحضاري مع الغرب،إضافة إلى إعلاء قيم المواطنة إذ لا يجوز لأي كان يعيش بدولة غربية عشرات السنين ويتمتع بكافة الحقوق ولا يؤمن بقيم هذه الدول ومفاهيمها فالأصل أن يكون جزء من هذا البلد ونسيجه وحضارته ولا جزءًا مبتورًا ولا منعزلًا ، لذا علينا كمسلمين أن نندمج بالمجتمع الذي نعيش فيه بمعنى المشاركة في المجتمع بتقديم الخدمات والمشاركة في الفعاليات وتحقيق الفائدة للآخرين.
إن غياب الحوار في الدول الغربية خلف أزمة الهوية التي نتج عنها العنف ضد المجتمع والعرق والدين؛ وهو ما شكل بعد ذلك ظاهرة "الإسلاموفوبيا".
المجتمعات الغربية لديها ثقافة الإطلاع على حقيقة الإسلام، غير أن معظم الأجيال الجديدة نشأت على الأفكار التمييزية والمعادية للإسلام والمسلمين لأسباب سياسية.
لا بدَّ من فتح قنوات التواصل والحوار الديني مع الدول الغربية، لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تؤجج هذا الصراع.
وفيما يتعلق بحرية التعبير ، لابد من الاشارة الى ان مختلف الدساتير في العالم ضمنت حرية التعبير لكن بعضها كان اشمل واوضح ومنح مساحات واسعة لها، اضافة الى الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي ضمنت الحريات العامة وحرية التعبير ، وتحظر هذه الدساتير والتشريعات المساس بحرية الرأي أو تقييدها، إلا في حالات خاصة ولأوقات محددة.
كما ان حرية التعبير التي نصت عليها الدساتيير وضعت ضوابط ومحددات لهذه الحرية لكن هذه الضوابط تختلف من دولة إلى أخرى تتعلق بثقافتها وبيئتها الإجتماعية والقيم التي تؤمن بها إضافة إلى ارثها الحضاري ومفاهيم القيم الاخلاقية فيها .
ففي فرنسا مثلًا تعد حرية التعبير عن الرأي أساسية ذات قيمة وتعدّ ممارسة هذا الحق أحد الضمانات الأساسية لصيانة حقوق الأفراد،فإن تنشر رسمًا أو تكتب تعبيرًا لرسول أو نبي أو رجل دين فهو مسموح من وجهة نظرهم لكن إن كانت هناك دعوات للكراهية والعنصرية ومعاداة السامية فإنه أمر مرفوض طبعًا من وجهة نظرهم .
وفي سويسرا فإن حرية التعبير عن الرأي وتلقي المعلومات ونشرها مكفولة لكل شخص،لكن ذات الدساتير وضعت ضوابط وهي تنسجم مع القيود المفروضة في الدول الأوروبية على التعبير عن الرأي، ومع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تجيز تقييد حرية التعبير عن الرأي، في بعض الحالات التي تستدعيها الضرورة وبالاستناد إلى نصوص قانونية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وتشير الاتفاقية الأوروبية بوضوح إلى أن حرية التعبير تتضمن واجبات ومسؤوليات،ولذا يجوز تقييدها بموجب القانون حسب ما تقتضي الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي وسلامة الأراضي وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب واحترام حقوق الآخرين ومنع إفشاء الأسرار، أو لغرض تدعيم السلطة وضمان حياد القضاء.
ما أود الإشارة إليه عطفًا عما سبق أن قيم الحرية ومفاهيمها تختلف من مجتمع لآخر وهذا يقودنا الى ردود الفعل العربية والاسلامية الغاضبة على الرسم الكاركاتيري الذي نشرته صحيفة فرنسية حول نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ورفض الرئيس الفرنسي إدانة هذا الرسم بحجة إنه يتطابق من حرية التعبير في فرنسا .
وتمثلت أبرز ردود الفعل بدعوات المقاطعة للمنتوجات الفرنسية التي اجتمعت عليها دول العالم العربي والاسلامي،وهذه المقاطعة أثبتت إنها سلاح قوى أدت إلى إجبار الرئيس الفرنسي العودة عن تصريحات والقول ان تصريحات فهمت غلط،وليت يتم ذلك مع المنتجات الصهيونية والعمل على مقاطعتها واجبار حكومة نتنياهو للتراجع عن السياسات والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
كما أن القوى السياسية المختلفة أدانت هذه الرسوم وموقف الرئيس الفرنسي منها مما دفع الأخير إلى إرسال مبعوثين له لمختلف الدول العربية والإسلامية لتوضيح حقيقة تصريحاته وبذات الوقت الدعوة الى إنهاء المقاطعة للمنتوجات الفرنسية والإبقاء على العلاقات الفرنسية معه هذه الدول قوية.

* محاضرة أردنية واحدى كوادر الحملة الاكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والضم