التجربة الانتخابية الامريكية دروس وعبر

نشر بتاريخ: 25/01/2021 ( آخر تحديث: 25/01/2021 الساعة: 21:52 )

الكاتب: فلسطين غزاوي

محامية وباحثة قانونية- الولايات المتحدة

تابع العالم الانتخابات الامريكية الاخيرة، حابسا أنفاسه، حتى لحظة تنصيب الرئيس الجديد ومغادرة المنتهي ولايته الى مقره الجديد، ليعود مواطنا في مكان اقامته في ولاية فلوريدا بعد ان حركت ولاية نيويورك دعاوى قضائية ضده. لم تقتصر الانتخابات الاخيرة على ما رافقها من اثارة وتشويق وشد وجذب وتحالفات وتهديدات بل تجاوز ذلك كله الى اعتباره، بدون أدني مبالغة، تحديا للنظام الديموقراطي الغربي برمته وتهديدا جديا له باعتباره أحد أهم منجزات الغرب الديمقراطي والركيزة الأساسية للنظام السياسي.

حتى وان لم تكن نتيجة الانتخابات الاخيرة مقتصرة على فرز الاصوات وما رافقها من تشكيك بسلامتها من الناحية القانونية؛ فإن المعضلة تعدت نتائجها، حيث كانت تتويجا لنزاع ضاري لم يكن هينا على مدار أربع سنوات بين مذهبين مختلفين، مذهب يمثله رئيس أرعن عنصري شعبوييؤمن بتفوق العرق الأبيض ومستعد للذهاب الى حرب اهلية ليحقق تفوق البيض الذي يعتبره شرطا لعظمة اميركا. بينما كان يحارب باستماتهعلى الرغم من كونه محاطا برجال داخل البيت الابيض منهم من قضى نحبه في ادارته، بتقديم استقالته او من انتظر ومنهم من لم يبدل ولم يتبدل تبديلا، هؤلاء في معظمهم تم تعيينهم بمعيار واحد وهو تزكية الرئيس الامريكي لهم، دون اعارة أدني اهتمام لسيرتهم المهنية والذاتية. فمنهم من كان ولاءه للرئيس كسمسار العقارات صهره جيراد كوشنر الذي كانت ميزته الوحيدة انه زوج ابنته ايفانكاوالذي، كان ملكيا أكثر من الملك نفسه، بما قام به عند تسلمه أكثر ملفات العالم تعقيدا وحساسية وهو ملف الشرق الأوسط حيث عمل منذ اليوم الأول على توفير الدعم المطلق لإسرائيل والذي توج بالانقلاب على سياسة الولايات المتحدة التقليدية حيث تم نقل السفارة الأمريكية إلي القدس في ظل معارضة العالم بشرقه وغربه. ومنهم من حاول الموازنة بين مصالحه ورؤيتهالخاصة دون المساس بمصلحة الولايات المتحدة او المجازفة بمكانتها، وحتى هذا لم يكن مقبولا وكان نتيجته الطرد من دائرة الحكم، مثل ريد تليرسون الذي خدم وزيرا للخارجية.

ترامب هو الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي تعرض للمحاكمة البرلمانية مرتين أثناء توليه منصبه حيث شهدت ادارته نزاعات في المصالح والايديولوجيات والمبادئوعرضتها لاهتزازات كبيرة وتسببت بالضر الواضح لصورة الولايات المتحدة كنظام ديمقراطي لا يخضع لحكم الفرد وهي بضاعة أفسدها رئيسها وجعل من إدارة المصالح الأمريكية كما لو كانت شركة للعقارات يمتلكها بدون حتى حد أدنى من أخلاقيات الشركات.

انتجت فترة إدارة الرئيس ترامب، حالة غير مسبوقة من الانقسام الداخلي، الذي امتد ليشمل كل الولايات، وكانت معركة الانتخابات بالغة الاستقطاب لتجنيد أكبر عدد من المصوتين وضمان مشاركتهم في ظل ظروف الانقسام بين أفراد الشعب الأمريكي بأقلياته وأعراقه وتمايزاته وفي ظل جائحة كورونا التي غيرت من السلوك العام.

حاول الرئيس المنتهية ولايته بكل السبل التحفيزية والتحريضية وحتى بما هو غير قانوني أو أخلاقي أن يفوز بالانتخابات بجذب اصوات العنصريين البيض من خلال خطاب عنصري شعبوي ويميني، مقابل خطاب تقليدي حاول إنقاذ ما لحق بمصالح الولايات المتحدة من أذى داخليا وخارجيا، حيث شكل بديلا، وهو البديل الدائم للجمهوريين، لخضع لأحكام قواعد اللعبة القديمة ومواجهة العنصرية المتطرفة والشعبوية التي غزتها الترامبية واحتضنتها لأربعة سنوات.

يحسب للنظام القائم في الولايات المتحدة أنه استطاع أن يحتوي التناقض القائم والذي كاد أن يخرج عن الأطر النظامية والشرعية، حيث شكل الدستور ومؤسسات الدولة قولا فصلا حاميا للعقد الاجتماعي القائم والذي أعاد، ربما التأكيد على أن أي فرد مهما بلغ من الغلو والتفرد والتطرف او محاولة اقامة نظام الفرد الواحد، غير مسموح له العبث بتلك المصالح.

الدلالة المهمة في مشهد الانتخابات وتسليم السلطة هو أن النيو ليبرالية كنظام حكم، ليس في الولايات المتحدة بل في أماكن أخرى من العالم، وما أفرزته من صيغ للحفاظ على المصالح والعيش المشترك ربما قد شاخت وأصبحت أمام ضرورة تاريخية لأن تجدد نفسها، على الرغم من أن الدستور والقوانين والمؤسسة القائمة قد استطاعت، هذه المرة، أن تحتوي الأزمة الخطيرة التي عصفت به ولكن كل الأسباب موجودة وكامنة لتكرار المشهد ولكنه إذا ما حدث سوف يكون أشد وطأة وأكثر تأثيرا.

مشهد الانتخابات وتسليم السلطة، حتى في غياب الرئيس المغادر، مشهدٌ أعاد الاعتبار لأهمية القانون والأحكام الدستورية كملجأ أخير في حسم النزاع من جهة ولمؤسسات النظام في قدرتها على احتواء ذلك الاختلاف وابقائه تحت السيطرة، على الرغم من مشهد اقتحام الكابيتول، من جهة أخرى.

من ناحية اخرى كان لوجود أعلام قوي ومؤسسات مجتمع مدني قوية ومستقلة ومتمرسة في الدفاع عن حقوق المواطنين الدستورية والمدنية دور في جعل المعلومات متاحة للعموم وساهمت في إعادة الاعتبار لمكتسبات أساسية ولاسيما مبدأ التداول السلمي للسلطة وفكرة العيش المشترك.

لا شك أن الانتخابات ليست أكثر من وسيلة لضمان انتقال سلمي وسلسل للسلطة انفاذا لإرادة الشعب الحرة، ولكن في النهاية ما يحافظ على سلامة ووحدة البلاد هي مجموعة نظم ومؤسسات تمارس عملها ومهامها بحرية حفاظا ودفاعا عن مصلحته العليا وبأن النظام الديموقراطي الحقيقي المبني على حرية الاختيار للأفراد المتساوين والذي يحمي الدولة ومؤسساتها، كفيل بان يصحح اي خطأ او قصور محتمل عندما يواجهه تهديد الحكم المطلق.

قد يعتبر البعض ان ذلك بداية افول نجم الولايات المتحدة كقوة مسيطرة و متحكمة بمصير العالم؛ و ذلك ايضا ممكن ولا بأس من حدوثه لأنه من غير الممكن لدولة مواصلة احتكار السيطرة على النظام العالمي مهما بلغت قدرتها العسكرية و نفوذها السياسي، لكنها تبقى دولة ذات تجربة ديمقراطية رائدة داخليا يجب دائما استخلاص العبر منها في أهمية إشاعة حقوق الانسان وحمايتها وتعزيز مبادئ الحرية والمساواة والحق الأصيل في الاختيار لإحداث التغيير المرجو في اقليمنا كخيار الصفر للحفاظ على السلم الداخلي للمجتمعات ولضمان تداولا حقيقيا للسلطة تعبيرا عن الإرادة الحرة لمواطنيها.