الأسير المحرر خالد رشايدة.... لا يبق في الوادي غير الشهيد

نشر بتاريخ: 03/05/2021 ( آخر تحديث: 03/05/2021 الساعة: 10:47 )

الكاتب: عيسى قراقع




بعد أربعة شهور من الإفراج عن الأسير خالد عودة رشايدة 42 عاماً والذي قضى 15 عاماً في سجون الاحتلال الاسرائيلي، توفي في حادث مؤلم ومفجع بسقوط مركبته عن مرتفع شاهق يطل على البحر الميت في وادٍ سحيق وذلك يوم 22/3/2021، ظل هاتفه النقال يرن في قاع الواد حيث كان الشهيد يتحدث مع عائلته التي تقطن في الأردن والذين لم يرهم منذ سنوات طويلة، لم تسمح له سلطات الاحتلال بزيارتهم بعد الأفراج عنه، الهاتف يرن في أخفض منظقة في العالم، ولكن الموت لا يجيب.





الشهيد الأسير خالد رشايدة سكان قرية الرشايدة البدوية الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مدينة بيت لحم، ترتفع عن سطح البحر الميت 512 متراً، ينحدر سكانها من قبيلة الرشايدة المنتشرة تاريخياً في أنحاء الوطن العربي منها فلسطين، ينتسبون حسب المؤرخين إلى الخليفة هارون الرشيد، ويعتبر بني رشيد احدى بطون قبيلة بني عبس التي منها الشاعر عنترة بن شداد صاحب القول الشهير:
لا تسقني ماء الحياة بذلة
بل فاسقني بالعز كأس الحنظلِ

حافظت قرية الرشايدة على عاداتها الأصيلة من النخوة والشجاعة والبطولة، وأصبحت القرية من أهم الطرق لإيصال السلاح والعتاد والرجال من قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب حزيران 1967، وكان بدو الرشايدة يعرفون كباطن اليد الأراضي الممتدة بين البحر الميت وبيت لحم، التجأ الفدائيون الى الرشايدة ومنها عبروا خلال عملياتهم الفدائية، لهذا شنت قوات الاحتلال حملات الاعتقال الواسعة بحق سكان القرية، إضافة إلى استمرار استهدافها بمصادرة أراضيها وتحويلها إلى مناطق تدريب عسكري، هدمت الجرافات الاسرائيلية المئات من منازل القرية وخيامها وحظائر الأغنام والمراعي، حرموا السكان من الكهرباء والماء والبنية التحتية، تحولت قرية الرشايدة إلى قرية منكوبة على مدار كل السنوات.
الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل، يتنفس الهواء بعد سنوات من الأختناق داخل سجون الاحتلال، تجاوز الألغام والقنابل والذخائر المنتشرة في أراضي قريته بسبب التدريبات العسكرية الأسرائيلية، تجاوز مستوطنة عاموس المقامة على أراضي القرية والجدار العازل، تجاوز عربدات المستوطنين وسرقاتهم للجرارات الزراعية وإتلاف المحاصيل ودهسهم المتعمد للحيوانات والبشر، تنفس خالد هواء البحر وليس رائحة المواد السامة التي ترشها الطائرات الاسرائيلية على الأراضي الزراعية في القرية، تنفس هواء البحر وليس بودرة الغاز الذي يرشه السجانون على الأسرى خلال عمليات القمع الوحشية.

الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل، قرأ الفاتحة على أرواح شهداء قريته، زار منزل الأسيرة المحررة شيخة الرشايدة التي قضت 9 سنوات في السجون الاسرائيلية، قرأ الفاتحة على قبر الشهيد الأسير خليل سلامة الرشايدة الذي استشهد في سجون الاحتلال في أواخر الستينيات وكان شيخاً قارب السبعين من العمر، تعرض لتحقيق قاسٍ على يد المحققين الاسرائيليين ثم حول إلى الاعتقال الأداري بعد صموده في التحقيق، استشهد بعد ثلاثة شهور من اعتقاله نتيجة تدهور حالته الصحية.

الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل، رائحة الحور والزحيف والعرعر والصفصاف والقريص والبوص والسماق والبطم والعسل الجبلي، رائحة الطيور وأملاح البحر والطين المعدني، صوت أبنائه الثلاثة يأتيه من وراء الموج، كانوا يستعدون لاستقباله وإقامة الاحتفالات بعد انتظار طويل، كبر الأبناء في غياب الأب، السجن يعتقل زمن الأسير الفلسطيني لكنه لا يستطيع أن يعتقل الأشواق والحنين ومجرى النهر ودروب الذاكرة.

الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل، يطل على البحر الميت، تأسف لأنه لا يملك تلك العصا التي بها يشق البحر ليعبر إلى عائلته في الضفة الثانية، تأسف لأنه تأخر كثيراً، لم تدفعه للخروج من السجن رياح العدالة الكونية، لم يتكلم معه أحد هناك سوى الجدار، لم تأت تلك الأجنحة التي يطير بها الى وطنه، ظل فوق الجبل يرتجف، يحاول ان يجد لغة ليعانق بها دهشة الحرية، فسقط في الهاوية.

الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل: أنا راعي الغنم وحامل البندقية، أنا من قرية الرشايدة البدوية العربية الفلسطينية، أنا ابن الكهوف والتلال والنار الحامية، سلام على روحي في السجون والمعسكرات، سلام على أصدقائي الأحباء والشهداء، سلام على ليل الجوع والبرد والإرادة وأحلامنا الباقية، سلام على إخوتي الأسرى الذين يقضيون زهرة شبابهم يرسفون في القيود وينتظرون نبيا ينزع الحديد ويقيم الصلاة.

ما أطول الجهد الذي يبذله الأسير الفلسطيني ليبقى انساناً، لا يتحطم بين القضبان أو يتهشم بين الصخور، وضع خالد السماء في حنجرته، تحدث مع الغيوم العاليات، ألقى كل الاسئلة فوق أعالي الجبال، ما بين السجن وهذا الواقع حفرة عميقة يراها أمامه، من يطمر الحفرة ويلقي عليه ثوب النجاة؟

الشهيد الأسير خالد رشايدة فوق الجبل، سقط في الوادي العميق، تدحرج بين الحجارة والصخور والأشواك، انتفض البحر الميت وأعلن الحياة، انتفضت القدس في باب العامود وسلوان والعيساوية والشيخ جراح، غمرته آثار ونقوش ولوحات كنعانية قديمة، ضمته أجساد فلسطينية مدفونة في جوف الصخور، اغتسل خالد بصابون البحر، ضمد جراحه بلفائف قمران التاريخية، قرأ أسماء جدوده الأوائل، وعندما أخرجوا جثته المحطمة وجدوا عليها رسالة تقول: نحن بحاجة إلى تحرير جثثنا ودماءنا وحكاياتنا من قبضة الدراسات التوراتية، حان الوقت للتاريخ الفلسطيني ان يبلغ سن الرشد ويعتق الأسير الفلسطيني من زمن السجن الاسرائيلي ويكتشف الوقت.

الشهيد الأسير خالد رشايدة لا يبقى في الوادي غير الشهيد، كل شيء تبخر مع زبد البحر والبحر القديم لا يكذب، لم يجد في القاع حجارة من بقايا ما يسمى الهيكل، لم يجد مملكة لداود وسليمان، لا نقوش ولا عظام ولا مرويات ولا كتابات ولا آثار اسرائيلية، لا يوجد أسطورة تسمى مساداة، لا حضارة لهم ولا فأس ولا معول ولا ظلال، الأرض ليست خالية كما يدعون، الأرض يسكن فيها الشهيد خالد رشايدة، كل شيء في وادي البحر الميت بشبهه، وما يحتاجه الآن هو انتشاله من النسيان وفك قيود الرواية من الأختلاقات الصهيونية، هاتف خالد لم يسكت، لا يزال يرن من أعماق التاريخ.


استشهد الأسير خالد رشايدة في نفس اليوم الذي استشهد فيه محمود بكر حجازي الأسير الأول في الثورة الفلسطينية المعاصرة، البداية اخت النهاية، الأول أطلق هبوب العاصفة، والثاتي حرك الشراع ورفع رايته الخافقة.